عزة النفس.. ترفع عن الصغائر تمت ملكًا

الإثنين، 14 مايو 2018 11:28 ص
عزة 1 النفس


عزة النفس.. لاشك هي من المبادئ الجميلة التي يتحلى بها الشخص, والعزّة تعني أن يرتفع الإنسان عن كل المواضع التي تقلل من قيمتهِ ومن قيمة نفسه والسمو عنها, فهي صفة العظماء ولا يتحلى بها إلاّ أصحاب المبادئ الذين يعيشون لأجل أن يموتوا بكرامة وعزّة بين الناس, والعزّة عكسها الوضاعة والوضيع هو الذي يقبل بالإهانة بأي شيء فهي صفة الضعفاء.

والعزّة ليس بمعنى أن يرى الإنسان نفسهُ دون سواه, فالأعزّاء هم الأشخاص الذين لا يسمحون من كان فوقهم أن يقلل من شخصيتهُ ولو مثقال ذرة أو أن يمسّوا كرامتهم, وإذا وجدوا من هم دونهم لا يتكبّرون عليهم ويحترمهم حتّى يرفع من قيمتهم ليصلوا إلى ما وصل إليهِ ,فهم يطبّقون المثل الذي يقول «احترم نفسك من دون أن تحتقر أحد».

وعزة النفس من القيم التربوية والأخلاقية التي يتحلَّى بها الإنسان النبيل، والتي ترفعه عن كل ما يُقلِّل مِن قيمة نفسه، ولا يتَّصف بهذه السجيَّة إلَّا العظماء الذين يعيشون بعزَّة وكرامة بين الناس، وينفرون مِن مواضع الوضاعة والمهانة، وعزة النفس في العمق تكون ممزوجةً بالتواضُع والوقار، وليستْ هي التكبُّر والتعالي وإقصاء الآخر وتحطيمه؛ لأنها تكمُن في احترام النفس وإبعادها عن كلِّ شيءٍ لا يليق بها؛ أي: الابتعاد عن كل ما يَشين الفعل الإنساني، والكبر والغرور ونبذ الآخر ممَّا يُفسد السلوك البشَري.

والشخص العزيز النفس تعرفه تلقائيًّا من تصرُّفاته الظاهرة التي لا تجد فيها أيَّ وجهٍ مِن أوجه الذِّلَّة والخضوع لغير الله، فلا يسمح لأحد أن يستوطنَ شخصيته؛ نظرًا لقوة شخصيته، وسلامة تصرُّفاته ونقاء طبعه، وهذا ما لا يترك أيَّ مجالٍ لأحدٍ بأن يمسَّ ذاته وكرامته، ولا يعني البتة أن عزيز النفس يرى نفسه دون سواه؛ أي: إنه لا يتكبَّر على أحد، ويحترم الجميع؛ بل يحاول خَلْق نوعٍ مِن الوعي الإدراكي عند الآخرين؛ ليرفعوا مِن قيمة ذواتهم المَبْخُوسة.

ومِن أهم الفضائل التي يتميَّز بها عزيز النفس:

• يحسُّ عزيز النفس أن عِزَّة نفسه تجلب له السعادة والشعور بالارتياح؛ أي: إنه يستشعر في ذاته راحة ضميره الذي يُوفِّر له سعادة داخلية تجعل صدره يمتلئ انشراحًا، وبذلك تكون عزة نفسه مصدرًا أساسيًّا لشعوره بالفخر والرضا.

• يُدرك عزيز النفس جيدًا أنه المسؤول الوحيد عن أفعاله؛ لذا يحذَر كثيرًا من التصرُّف بسلوكٍ يُسيء له، وإن وقع فيما يحذر منه لا يُحاول خلق مُبرِّرات واهية لما فعَله؛ لأنه لا يرضى أن يضَعَ نفسه في موضع المهانة؛ فهو يحترم نفسه، ويعرف حدوده؛ لذا تجده غير قادر على تجاوُز خطوطه الحمراء، كما أنه لا يسمح لغيره بتجاوُز حدوده معه.

• يعتمد عزيز النفس على ذاته بالدرجة الأولى، ولا يستغلُّ مجهودات الآخرين، كما يتجنَّب تحميل أعبائه لغيره؛ أي: إنه لا يرضى أن يكون استغلاليًّا وصاحب مصلحته؛ لأنه ليس طماعًا ولا يحمل جشعًا لكي تهفو نفسه إلى ما ليس مِن حقِّه.

• يحرص عزيز النفس على ضبط تصرُّفاته، ولا يمكنه أن يتوسَّل سوى للعلي القدير؛ نظرًا لشخصيته المتَّزنة، ولكونه صاحب ثقةٍ عالية بنفسه، كما أنه قد يحبُّ شيئًا ما، ولكن تعزُّ نفسه أن يناله ما دام أنه لا يستحقُّه عن جدارة؛ لهذا لا يُمكنه أن يتخلَّى عن عزة النفس؛ بالرغم ممَّا يواجهه من مواقف وصعوبات في الحياة؛ لذا فعزة النفس تُعطي لصاحبها الاحترام والوقار.

• إن كانت لعزيز النفس حاجة عند الآخرين يطلبها بعزَّة نفسٍ، ولا يُذِلُّ ولا يحتقر نفسَه بغيةَ الحصول على ما يطلبه، فحاجتُه للناس لا تجعله ينسلخ عن القيم النبيلة، وبمجرد أن يحسَّ أن نزاهة عرضه وبقاء عزَّته في خطَرٍ يستغني عن حاجته لهم، فترفعه بذلك نفسُه عن منزلة الواهن الضعيف؛ لأن ضياع حاجته لا يُساوي شيئًا أمام أية دنيَّة لنفسه؛ والنفسُ جوهرة ثمينة، فإذا استبدل الإنسان بها أي شيء آخر، فإنه يُصبح مَغبونًا؛ لذا فالنفسُ عند المعتزِّ بنفسه فوق جميع الأشياء، ولا يوجد شيء أثمن منها عنده.

قالوا عن العزة:

- قال عبد الله بن عمرو: "إيَّاك وعزَّة الغضب، فيضيرك إلى ذُلِّ الاعتذار. وإذا ما عَرَتك في الغضب العِزَّة فاذكر مَذَلَّة الاعتذار".

- قيل للحسن بن علي رضي الله عنهما: فيك عَظَمَة. قال: لا، بل فيَّ عِزَّة الله تعالى، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون من الآية:8].

- وقال ابن أبي لبابة: "من طلب عِزًّا بباطل، أورثه الله ذُلًّا بحقٍّ".

- قال رجل للحسن: "إنِّي أريد السِّند فأوصني. قال: أَعِزَّ أَمْرَ الله حيث ما كنت، يُعِزَّك الله. قال: فلقد كنت بالسِّند، وما بها أحدٌ أعزَّ منِّي".

- وقال ابن عطاء: "العِزُّ في التَّواضع، فمن طلبه في الكِبْر، فهو كتطلُّب الماء من النَّار".

اضافة تعليق