احذروا الكِبر.. الشيطان اغتر.. فعصى.. فطرد من رحمة الله

الأحد، 13 مايو 2018 10:11 ص
55


الكِبر.. شعور خادع بالاستعلاء، مصحوب باحتقار الناس والترفع عليهم، فهو انفعالات داخلية أساسا، كما قال الله _عز وجل_: "إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ" (غافر: من الآية56).. وما يظهر من سلوكيات المتكبر ترجمة لهذه الانفعالات.

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم المتكبر في الحديث الصحيح؛ حيث قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر))، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه نظيف ونعله حسن، فقال عليه الصلاة والسلام: (ليس ذلك، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس))؛ رواه مسلم.
 
وبسببه أُخرج إبليس من ملكوت السماء، وطُرد من رحمة الرحمن، ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ ﴾ [ص: 71 - 74].
 
والكبر يؤدي إلى الكفر والضلال ﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [ص: 75 - 78].. ومن ثم فهو خلق شيطاني ذميم، وهو أول ذنب عصي الله به، وهو من أسباب الكفر والضلال ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [العنكبوت: 39].. وهو مانع من الهدى، يقول سبحانه وتعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 146].. وسبب لختم القلوب على الضلال ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35].
 
وقد قسم العلماء الكِبر إلى باطن وظاهر، "فالباطن" خلق في النفس، والظاهر، أعمال تصدر عن الجوارح، والكبر سمات تظهر في سلوكيات المتكبر حتى تعلو كلامه وحركاته وسكناته.. بل وطموحاته وأفكاره، وينتج عنها وضع نفسه في مكانة أعلى من الآخرين.. وقد يحاول المتكبر أن يخفي تلك الصفة الذميمة إذا انكشف بعض حاله ولكنه يقاسى في سبيل ذلك ثم إذا بصفته تلك تنكشف شيئا فشيئا في زلات اللسان ومختلف المواقف.

والكِبر يجلب غضب الرحمن، وعذابه الشديد، ويمنع محبته سبحانه: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ [النحل: 23]، ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: ((قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعزة إزاري، فما نازعني في واحد منهما عذبته))؛ رواه ابن حبان وأبو داود.
 
يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر))؛ رواه البخاري ومسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: ((احتجَّت الجنة والنار، فقالت النار: فيَّ الجبارون والمتكبرون))؛ رواه مسلم.

وشر أنواع الكبر ما يمنع استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له فقد تحصل المعرفة للمتكبر ولكن لا تطاوعه نفسه على الانقياد للحق قال الله _تعالى_: "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً" (النمل: من الآية14) ومن أنواع الكبر الدعاوى والمفاخر وتزكية النفس وحكايات الأحوال في معنى المفاخرة للغير والتكبر بالنسب فمن له نسب شريف يحتقر من ليس له ذلك النسب وان كان أرفع منه عملاً قال ابن عباس _رضي الله عنهما_: "يقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك وليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى" وكذلك التكبر بالمال والولد "أنا أكثر منك مالاً وولداً" "أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال".. والتكبر بالجمال والقوة وكثرة الأتباع ونحو ذلك "ليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي"، "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي"، وفي الجملة فكل ما يمكن أن يعتقد كمالاً وإن لم يكن كمالاً في نفسه أمكن أن يتكبر به حتى إن الفاسق ليفتخر بكثرة شربه للخمر مثلا ولفجوره لظنه أن ذلك كمالاً.

والعبد المؤمن يستعذب طاعة الله وترتاح لعبادته نفسه إذا علم نفسه الخضوع والذل له _سبحانه_ قال _سبحانه وتعالى_: " إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ" ووصف الصالحين من عباده، فقال: " فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ". وقال _سبحانه_: "إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون".

وقد كان _صلى الله عليه وسلم_ مثالا يحتذى به في تواضعه وسمته، أليس قد وصفته عائشة _رضي الله عنها_ بأن كان خلقه القرآن؟ فهاهو يخبر عن نفسه فيقول: "لا آكل متكئا" وكانت مشيته عليه _صلى الله عليه وسلم_ كأنما ينحدر من صبب وكان يجلس حيث انتهى به المجلس، وقال _صلى الله عليه وسلم_: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبدا لله ورسوله" ولما أراد أحدهم أن يحدثه أخذته هيبة فارتعد، فقال له _صلى الله عليه وسلم_: "هون عليك إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة".

اضافة تعليق