الغفلة مرض العصر.. إليك طوق النجاة

الأحد، 13 مايو 2018 09:27 ص
الغفلة مرض العصر

 
إن الله تعالى خلق الخلق لعبادته، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، ورغَّبهم في الجنة، ورهَّبهم من النار، وذكرهم بما هم مقبلون عليه بعد الموت من أهوال وكربات عظام، لكن الكثير من الناس ينسى هذه الحقائق ويغفل عنها: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء:1-2]. حتى إن المرء لو نظر لأحوال هؤلاء لوجد جرأة عجيبة على الله، وسَيْرًا في طريق المعاصي والشهوات، وتهاونًا بالفرائض والواجبات، فيتساءل: هل يُصدِّق هؤلاء بالجنة والنار؟ أم تراهم وعدوا بالنجاة من النار وكأنها خلقت لغيرهم؟ يقول الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115].
 
فالغفلة آفةٌ قاتلة، وداءٌ عُضال فتَّاك، وطريق يكثر فيه السالكون إلاَّ مَن رَحِم الله تعالى، دبَّ هذا الداء في جَسَد الأمَّة الإسلامية منذ عدَّة قرونفالغفلة آفةٌ قاتلة، وداءٌ عُضال فتَّاك، وطريق يكثر فيه السالكون إلاَّ مَن رَحِم الله تعالى، دبَّ هذا الداء في جَسَد الأمَّة الإسلامية منذ عدَّة قرون، وأقعَدها عن سبيلها، وأوْهن مِن قُواها، وشغلها أيَّما شغل عن رسالتها وغايتها في هذه الحياة الدنيا، والمتأمِّل في آيات القرآن يرى أنَّ الله - تعالى - قد أنذر وحذَّر مِن هذا الداء المهلِك، الذي أصابَ الأُمم، وأقعدَها عن السبيل الأَمَم، بل وحلَّ بها عقاب الله - تعالى – المعجَّل؛ كما قال - تعالى -: في كتابه لرسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يس: 6، 7].
 
قال ابن سعدي - رحمه الله تعالى - في تفسيره: "وهم العرب الأُميُّون، الذين لم يزالوا خالين مِن الكتب، عادمين الرُّسل، قد عمتْهم الجهالة، وغمرتْهم الضلالة، وأَضحكوا عليهم وعلى سفههم عقولَ العالمين، فأرسل اللَّه إليهم رسولاً مِن أنفسهم، يُزكِّيهم ويُعلِّمهم الكِتاب والحِكمة، وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين، فينذر العرب الأميِّين، ومَن لحق بهم من كلِّ أُمِّي، ويذكر أهل الكتب بما عندَهم من الكتب، فنِعمة اللَّه به على العرب خصوصًا، وعلى غيرهم عمومًا، ولكن هؤلاء الذين بُعثتَ فيهم لإنذارهم بعدَما أنذرْتَهم، انقسموا قسمين: قسم ردَّ ما جئتَ به، ولم يقبلِ النذارة، وهم الذين قال اللَّه فيهم: ﴿ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾؛ أي: نفذ فيهم القضاءُ والمشيئة، أنَّهم لا يزالون في كُفْرهم وشِرْكهم، وإنما حقَّ عليهم القول بعدَ أن عرض عليهم الحق فرَفضوه، فحينئذ عُوقِبوا بالطبْع على قلوبهم"؛ "تفسير ابن سعدي".
 
والغفلة أشدُّ ما يُفسِد القلوب، فالقلْب الغافل قلْب مُعطَّل عن وظيفته، قال تعالى: ﴿ إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ والغفلة أشدُّ ما يُفسِد القلوب، فالقلْب الغافل قلْب مُعطَّل عن وظيفته، قال تعالى: ﴿ إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: 7، 8].. قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره: "يقول الله - تعالى - مخبرًا عن حال الأشقياء الذين كفروا بلِقاء الله يومَ القيامة، ولا يرجون في لِقاء الله شيئًا، ورَضُوا بهذه الحياة الدنيا، واطمأنَّتْ إليها أنفسُهم.
 
وهنا تأتي آياتُ القرآن تُوحي بعاقبة الغافلين عن آيات الله ورسالاته؛ قال - تعالى -: ﴿ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 136]، وقال - تعالى -: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 146]، وقال - تعالى -: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 172].
 
وتأتي آياتٌ أخرى تُبصِّر الناس بطريق الهدى، وصُحْبة الصالحين المتقين، وتحذِّر من طريق الرَّدَى، وصُحْبة الأشقياء الغافلين؛ كما قال - تعالى -: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].
 
 - مظاهر الغفلة في الحياة المعاصرة:

 إنَّ الغفلة إذا عمَّ خطرُها، أوشكتْ بالهلاك للأمم، وإنَّ اليقظة والبصيرة إذا لاح سبيلُها، فنِعم الطريق للسالكين، وإنَّ أخطر ما تمرُّ به الأمَّة اليوم هذا الداء القاتِل، الذي بدَتْ لنا مظاهرُه في كثيرٍ من مجالات الحياة الإسلامية، في الجانب الفردي، وفي الجانب الجَماعي، وهذه صُور ونماذج تدلِّل على فُشوِّ الغفلة في الأمة الإسلامية خاصَّة، بل وفي غيرها من الأمم:
 
1- الغفلة عن أشراط الساعة:

من مظاهر الغفلة في حياة كثيرٍ من الناس اليوم: الغفلة عن علامات الساعة وأشراطها؛ حيث إنَّ الله - تعالى - جعَل ظهور هذه العلامات دليلاً على اقتراب يومِ القِيامةمن مظاهر الغفلة في حياة كثيرٍ من الناس اليوم: الغفلة عن علامات الساعة وأشراطها؛ حيث إنَّ الله - تعالى - جعَل ظهور هذه العلامات دليلاً على اقتراب يومِ القِيامة، ومحاسبة الله للخلائق، كلٌ يُجزَى بعمله؛ كما قال - تعالى -: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 1].
 
وقال - تعالى -: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ [محمد: 18]، ومع ذلك يقع الناسُ في غفلة شديدة، حيث يرَوْن انتشارَ الرِّبا والزِّنا، وشرْب الخمور والمسكرات، وضرْب المعازف والقينات، وكثرة الفواحِش والمنكرات، ولا يلقون بالاً لمثل هذه العلامات الكبيرة، والتي تستوجب عليهم التوبة إلى الله منها، والاستعداد للدار الآخِرة.
 
2- الغفلة عن المهمات والأولويات:

 
ومنها كذلك الغفلة عن المهمَّات والأولويات، والانشغال بالتوافِه والشهوات، وما يلحق بها ممَّا يُضيع الأعمارَ والأوقات، فنجد في أمَّتنا مَن شُغِل بالنِّساء والحب والغرام، ونجد مَن شُغل بالنوادي والمباريات، بينما كان الواجبُ عليهم الانشغالَ بما هو أوْلى وأجْدى، وأنفع في الدنيا والآخرة.
 
3- الغفلة عن الدار الآخرة والاستعداد لها:

 
ومِن مظاهر الغفلة أيضًا: الغفلة عن الدار الآخرة - يوم القيامة - والاستعداد لها، والرُّكون إلى حبِّ الدنيا وزينتهومِن مظاهر الغفلة أيضًا: الغفلة عن الدار الآخرة - يوم القيامة - والاستعداد لها، والرُّكون إلى حبِّ الدنيا وزينتها، والانغماس الشديد في طلبها، واستعجال التَّرَف والمُتعة، واللذَّة والراحة في دار الحياة الدنيا؛ كما قال - تعالى -: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴾ [القيامة: 20 -21]. وقال - تعالى -: ﴿ إِنَّ هَؤُلاَء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً ﴾ [الإنسان: 27].
 
4- الاستخفاف بأوامر الله ورسوله:

 
ومنها الاستخفاف والاستهانة بأوامِر الله ورسوله، ومقارفة الكبائر والمحرَّمات، وترْك التورُّع عن فعْل الذنوب والسيئات، حيث دبَّ في كثير من الناس هذا الداء، فلا يكاد المرءُ يستحيي من فِعْل الفاحشة ولا مقدماتها، ولا من أكْل الرِّبا وأموال الناس بالباطل، ولا يتورَّع بنفسه عن مواطنِ الشُّبهات والمحرَّمات، كما قد يظنُّ بعضُهم أنَّ ذلك من القضاء والقَدَر، وأنه كُتِب عليه حظُّه من الزنا وأنه مدرِك ذلك لا محالة، وأنَّ ما وقع فيه ليس إلا قدرًا كُتِب في سابق الأزل، وهو فاعل لهذا القدر، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله العظيم.
 
طوق النجاة من الغفلة:

إنَّ المخرَج لأمتنا من هذه الغفلة، وطوقَ النجاة لها، لا يكاد يغيب عنَّا في آيات القرآن المُنْزَل، ولا في وحي النبيِّ المُرْسَل - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيث الاعتصامُ والاستمساك بحبْل الله ورسولهإنَّ المخرَج لأمتنا من هذه الغفلة، وطوقَ النجاة لها، لا يكاد يغيب عنَّا في آيات القرآن المُنْزَل، ولا في وحي النبيِّ المُرْسَل - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيث الاعتصامُ والاستمساك بحبْل الله ورسوله، وتحقيق الوحْدة بالأُخوة الإيمانية؛ كما قال - تعالى -: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153].
وقال - تعالى -: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 103].

اضافة تعليق