لسانك صولجانك.. كيف تثقله بالعلم وتدربه على الحجة؟

السبت، 12 مايو 2018 09:16 ص
لسانك صولجانك


 

لقد كانت أمة العرب تمتلك من حضور الذهن وجودة الخاطر وسرعة البديهة ما يستعصي على الحصر، وقد ذكر الأصمعي أن: "دهاة العرب في الإسلام أربعة: معاوية بن أبي سفيان للرواية وعمرو بن العاص للبديهة والمغيرة بن شعبة للمعضلة وزياد بن أبيه لكل صغيرة وكبيرة"، وحين أرسل الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عمرو بن العاص إلى ملك الروم قال: "رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب"، والأرطبون هو الرجل الثاقب الذهن الحاد الذكاء، كما أن الفاروق قد أمر أبا موسى الأشعري بعزل زياد، فقدِم زياد على الفاروق وقال: أعن عجزٍ وخيانةٍ يا أمير المؤمنين؟! فقال الفاروق: لا عن واحدةٍ منهما ولكني خشيت أن أحمل على الناس فضلَ عقلِك.

 
وفصاحة اللسان من صفات العرب التي كانوا يحدون بها بعضهم البعض و يتبارون فيما بينهم أيهم أفصح لساناً فس نظم الأشعار و إلقاء الخطب على العامة في الأسواقوفصاحة اللسان من صفات العرب التي كانوا يحدون بها بعضهم البعض و يتبارون فيما بينهم أيهم أفصح لساناً فس نظم الأشعار و إلقاء الخطب على العامة في الأسواق و الحلقات التي كانوا يجتمعون فيها، و كانت مكة المكرمة منذ زمن ما قبل البعثة النبوية مركزاً للعرب من مختلف أنحاء الجزيرة العربية لأنها كانت تقع في منتصف الطريق التجاري بين الشام و اليمن، بالإضافة إلى وجود الكعبة التي كان يقصدها الحجيج من كل حدب و صوب، و بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بقرآن عجزوا أن يأتوا بآية من مثله، فالقرآن الكريم هو الكتاب المبين لكل العرب و أفصح الكتب العربية الموجودة في العالم منذ نزل و حتى قيام الساعة، و من أراد أن يتعلم الفصاحة و يصبح طليق اللسان فعليه بالقرآن أولاً، و من بعده أشعار العرب و أدبياتهم قديماً و حديثا .

 مع ذلك ليس الطريق سهلاً ، بل يتطلب الصبر و الإصرار على التعلم مع التدريب المستمر و عدم الخوف من الفشل ، و لذلك عدة خطوات لكي تصبح فصيح و طلق اللسان و ذو قدرة على التحدث في مختلف الأوساط بثقة و دون خجل أو تردد أو نسيان الأفكار الأساسية التي ترغب في الحديث عنها، و هو ما يقع فيه أغلب الأشخاص الذين لا يتمتعون بمهارة الحديث وسط تجمعات .

 كيف تصبح فصيحًا؟

أول الخطوات إلى المهارة في الحديث و فصاحة اللسان هي القراءة ، بدءاً بالقرآن الكريم و مرورأ بأشعار العرب و خطبهم ، و انتهاء بقراءة الشعر و الأدب الحديث .

ومن فوائد القراءة أنها تزيد من الحصيلة اللغوية لدى المرء فلا يتلعثم أو يفقد المعنى عند التحدث في موضوع ماومن فوائد القراءة أنها تزيد من الحصيلة اللغوية لدى المرء فلا يتلعثم أو يفقد المعنى عند التحدث في موضوع ما، لأن الفصاحة عند العرب هي إيصال المعنى كما هو مفهوم في الذهن.

ثانيا الاستماع إلى المحاورات و النقاشات الجادة بين العلماء، مع التركيز على طريقة عرض الأفكار و تسلسلها، و الإهتمام بذلك قدر المستطاع .

ثالثا التحدث بشكل متواصل و دون تلعثم، و ذلك عبر الجلوس في مكان منفرد و البدء بوصف شئ ما في الغرفة لمدة نصف دقيقة متواصلة، و مع تكرار ذلك ستجد أن تدفق الأفكار أصبح اسهل من السابق و قدرتك على التعبير أصبحت أكثر مرونة و سهولة .

فصاحة الأنبياء

كان أكثر الناس فصاحة وبيانا للحق هم الأنبياء، وذهب جملة من المفسرين من الفريقين إلى أن قول نبي الله موسى في الآية المباركة (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) راجع إلى عقدة كانت في لسانه دون هارون.

واستشهدوا لذلك بكلام آخر لموسى في كتاب الله هو قوله (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) وفسروها بأنها رثة تشبه التمتمة وأنها رافقته منذ صغره عندما أدخل الجمرة في فيه !!.

ويلاحظ على هذا القول أمور:

 أنه ليس في قول موسى عليه السلام (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) دلالة على وجود عقدة في لسانه،أنه ليس في قول موسى عليه السلام (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) دلالة على وجود عقدة في لسانه، ولتقريب المعنى نقول: وردت الآية المذكورة في سياق آيات أخرى من سورة طه هي: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ( 29 ).

ولا شك بأن صدر نبي الله موسى الذي أرسل لكافة البشرية كان منشرحاً بالإيمان بالله تعالى، ورغم ذلك دعا موسى عليه السلام ربه أن يشرح له صدره.

ولا شك أن الله متكفل بتيسير أموره في مستقبله كما يسرها في ماضيه.

فلا يلزم من دعاء النبي عليه السلام بهذه الأمور أن يكون فاقداً لها، وإنما للدعاء حكم وغايات وأغراض أخرى بحثت في محلها، ومنها على سبيل الإشارة أن الله سبحانه وتعالى يحب من العبد الدعاء، والأنبياء أقرب الناس إلى الله وأكثرهم دعاء له، وأن الدعاء يقرب العبد من ربه، وأن فيه اعترافاً بحق المنعم فيدخل في عنوان الشكر، وأنه نوع من أنواع العبادة، وغير ذلك من الوجوه.

 وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأئمتنا الأطهار أكثر الناس دعاء لله تعالى وهم أقرب الناس إليه وقد أعطاهم أعلى صفات الكمال التي يمكن للمخلوق أن يصل إليها.

 كذلك ليس في قوله (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) دلالة على كمال في هارون كان مفقوداً في موسى عليه السلام،كذلك ليس في قوله (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) دلالة على كمال في هارون كان مفقوداً في موسى عليه السلام، خاصة وأن فصاحة البيان واللسان أمر ضروري ولازم في الرسول، فكيف يرسل الله سبحانه وتعالى من يكون منقوصاً أو معيوباً فيما له دخالة في تبليغ شريعة رب العباد ؟!.

ويحتمل أن لا يكون المقصود فصاحة هارون بنفسه من جهة خصلة خاصة فيها، وإنما من جهة قبول أولئك القوم لكلام هارون أكثر من كلامه لمأخذ لهم على موسى عليه السلام، والقرينة على ذلك هي سياق الآيات أيضاً من سورة القصص: "قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 ) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ( 35 ) ".

ولذلك لا يعقل ولا يتصوّر وجود نقص في نبي من أنبياء أولي العزم وخاصة نقصاً ذو صلة بتبليغ رسالته فيكون مانعاً عن إتمام الحجة، وهذا الحكم العقلي بنفسه قرينة على عدم إرادة ما ذهب إليه جملة من المفسرين في تفسير الآية.

ويضاف إليه أننا لم نعثر على ما يصح الاستناد اليه في مثل هذا القول الذي يتعارض مع الأدلة العقلية والنقلية المانعة من اتصاف الأنبياء خاصة أولي العزم بمثل هذه الصفات.

الفصاحة عنوان الحق

 
 ولعل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أهمية سعي المرء لتعلم الفصاحة من أجل الدفاع عن قضيته يكشف أهمية هذا العلم ولعل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أهمية سعي المرء لتعلم الفصاحة من أجل الدفاع عن قضيته يكشف أهمية هذا العلم، فحدثنا أبو بكر قال حدثنا وكيع قال حدثنا أسامة بن زيد الليثي عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: "جاء رجلان من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم يختصمان في مواريث بينهما قد درست ليس لهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة، قالت : فبكى الرجلان وقال كل منهما : حقي لأخي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إذ فعلتما فاذهبا واقتسما وتوخيا الحق ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه" .

والفصاحة هامة للخطيب، حتى يؤدي مهمته ويبلغ رسالته على الوجه الأكمل، وكيْ لا يكون عرضة لنفور الجمهور منه، وانصرافهم عن متابعة خطابه، وإن كانت لديه بعض العيوب التي تؤثر على فصاحته وبيانه؛ فليتعهد نفسه بعلاجها والتخلص منها، أو التغلب عليها، والتقليل من حجمها، بحيث يصير نطقه سليماً أو أدنى إلى السلامة، فيكون أدعى للقبول والارتياح.

فانظر كيف كان ردُ الأحنف بن قيس على أحدهم وقد سأله: "يا أبا بحر! بِمَ سُدت قومَك وما أنتَ بأصبحِهِم وجهًا ولا بأشرفِهِم مكانةً؟! فقال الأحنف: بخلافِ ما فيك يا ابن أخي، فقال الرجل: وما ذاك؟! قال الأحنف: بتركي من أمرك ما لم يعنيني كما عناك من أمري ما لم تتركه".

 

اضافة تعليق