ما من جرعةٍ أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها

الكاظمون الغيظ.. امسك لسانك.. اعف.. تكن من المحسنين

الثلاثاء، 08 مايو 2018 09:47 ص
الكاظمون الغيظ


قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:34]. قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: وكظم الغيظ رده في الجوف يقال كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه... والغيظ أصل الغضب.

وقال ابن كثير رحمه الله: أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه... فتبين من هذا أن الكاظمين الغيظ هم الذين لا يعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم ويحتسبون الأجر عند الله تعالى، وقد ورد في فضل كظيم الغيظ أيضاً ما رواه أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من جرعةٍ أعظم أجراً عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله. والحديث صححه الألباني.

وقال الإمام الطبري رحمه الله في قوله: يعني: "والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منهوقال الإمام الطبري رحمه الله في قوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} يعني: "والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال منه: "كظم فلان غيظه" إذا تجرعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها، وأصل ذلك من كظم القربة، يقال منه: "كظمت القربة" إذا ملأتها ماء، و"فلان كظيم ومكظوم" إذا كان ممتلئاً غماً وحزناً؛ ومنه قول الله عز وجل: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}، يعني: ممتلئ من الحزن.

وروى أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء. والحديث حسنه الألباني.

يقول الشيخ الشعراوي إن أثقل ما يوضع لك في ميزان حسناتك يوم القيامة، هو "جرعة غيظ يتجرعها المؤمن وهو قادر على الرد.. فيحتسب ذلك لله سبحانه وتعالى".

ويروى أن زين العابدين علي بن الحسين كان يطوف حول الكعبة وسمع رجل يسبه "يا فاجر يا فاسق"، وزين العابدين يردد ورائه "أكرمك الله".. فلما انتهى الرجل وقرر الرحيل ناداه زين العابدين، وقال له سمعتك تسبني بكذا وكذا ومازال فيا عيوب أخرى لم تذكرها، فتعجب الراجل وقال والله لهذه أخلاق آل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والحسن البصري سمع أن رجلا اغتابه فما كان منه إلا أن فتش في بيته عن هدية له فما وجد سوى طبق من رُطَب فأخذه وقال لخادمه اذهب إليه وقل له سمع الحسن أنك أهديت إليه حسناتك فما وجد لك مكافأة إلا طبق التمر والحسن البصري سمع أن رجلا اغتابه فما كان منه إلا أن فتش في بيته عن هدية له فما وجد سوى طبق من رُطَب فأخذه وقال لخادمه اذهب إليه وقل له سمع الحسن أنك أهديت إليه حسناتك فما وجد لك مكافأة إلا طبق التمر ولو عدت لعدنا والله لولا أني أخشى أن يُعْصَى الله لتمنيت أن لا يبقى أحد في الدنيا إلا اغتابني لأنه يهدي إليّ حسناته وهو لا يشعر.

فكثير من الناس يصلون ويعملون الصالحات وفى جلسة واحدة يمحقون ذاك العمل كله بالوقوع في عرض هذا والوقوع في عرض هذا فإياك واللسان.

احفظ لسانك أيها الإنسان *** لا يلدغنك إنه ثعبان

احفظ لسانك واحترس من لفظه *** فالمرء يسلم باللسان ويعطب

وجعل الله العفو عن الناس أقرب إلى التقوى، فقال سبحانه: "وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) سورة البقرة، كما جعله سبباً لمرضاة الله ومغفرته وعفوه، فقال سبحانه: "إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) سورة النساء.

وعن عُرْوَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يعني ابْنَ الزُّبَيْرِ - في قَوْلِهِ : (خُذِ الْعَفْوَ) قَالَ :أُمِرَ نَبِىُّ اللَّهِ , صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاَقِ النَّاسِ.أخرجه البخاري.

وقد جاءت آيات أخرى تدل على العفو وترك الانتقام كقوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}، وقوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، وقوله: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، وقوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}.

وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نماذج رائعة للعفو والتسامح فقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم النموذج والمثل الأعلى في هذا الخلق الرفيع فقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم النموذج والمثل الأعلى في هذا الخلق الرفيع , ومن الأمثلة على ذلك:

بعد فتح مكة وقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لمن آذوه وحاربوه وطردوه من بلده: "يا مَعْشرَ قريشٍ، ما تَظُنُّونَ أني فاعِلٌ بكُمْ؟ قالوا: خيراً أخٌ كرِيمٌ، وابنُ أخٍ كريم، قال: فإنِّي أقُول لكم كما قال يوسفُ لإخوَتِه {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ } [يوسف: 92] أذْهَبُوا فَأنْتم الطُّلَقَاء.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم نائمًا في ظل شجرة، فإذا برجل من الكفار يهجم عليه، وهو ماسك بسيفه ويوقظه، ويقول: يا محمد، من يمنعك مني. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم بكل ثبات وهدوء: (الله).فاضطرب الرجل وارتجف، وسقط السيف من يده، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم السيف، وقال للرجل: (ومن يمنعك مني؟). فقال الرجل: كن خير آخذ. فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

وعن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه سبَّه رجل، فرمى إليه بخميصة، كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: جمع له خمس خصال محمودة: الحلم وإسقاط الأذى، وتخليص الرجل مما يبعده من الله عز وجل، وحمله على الندم).

وكان عند ميمون بن مهران ضيف، فاستعجل على جاريته بالعشاء، فجاءت مسرعة ومعها قصعة مملوءة، فعثرت وأراقتها على رأس سيدها ميمون، فقال: يا جارية أحرقتني، قالت: يا معلم الخير، ومؤدب الناس، ارجع إلى ما قال الله تعالى، قال: وما قال الله تعالى؟ قالت: قال: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾، قال: قد كظمت غيظي، قالت: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، قال: قد عفوت عنك، قالت: زِد؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، قال: أنت حرة لوجه الله تعالى.

اضافة تعليق