كيف تعرض سنة النبي على قلبك كما تعرضها على عقلك؟

الإثنين، 07 مايو 2018 01:42 م
مسجد الرسول

الأصل في علاقة الإنسان بربه هو تصديق أوامره ونواهيه وتصديق أنبيائه، وخاصة المسلم الذي يتوجب عليه التصديق بما جاء في القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، في جميع ما قاله بدون استثناء، لقوله تعالى في تزكية كلامه صلى الله عليه وسلم: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {النجم:4}.

وعلى الرغم من أن القرآن خاطب العقول قبل القلوب، وأمرها بالتدبر والتفكر والتعقل، في عشرات الآيات، إلا أن هناك جانبًا إيمانيًا يرتبط بإيمان الإنسان بالغيب كجزء من إيمانه بربه الذي آمن به ورآه في بدائع صنعه وروعة مخلوقاته، وهو خاص بالمؤمنين الذين يمتلئ قلوبهم بالإيمان.

وقد كان الصحابة يحدثون عن النبي ويقولون: حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق، ولو أنه اجتهد في مسألة فالأكثر في اجتهاده هو الصواب، وإذا حصل الخطأ في مسألة ما وهو نادر فإن الله لا يقره على ذلك بل ينزل عليه الوحي المبين للصواب في ذلك، ولكن الأصل وجوب تصديق الصحابة له في أقواله واجتهاداته حتى يبين الوحي أن الصواب في خلافها.

ومن بين الأشياء التي ربما يعجز الإنسان عن فهمها أو طبيعتها، ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه في رحلة الإسراء والمعراج، حينما كذبه قومه رغم الأدلة التي أثبت بها النبي رحلته، في حين كانت كلمة الفصل التي وضعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه هي المعيار الذي وزن به العلماء أقوال النبي وأفعاله، حينا يقول أبو بكر عندما قالت له أناس من قريش أنه صاحبه صلى الله عليه وسلم يقول أنه أسري به إلى المسجد الأقصى في ليلته وهم يضربن أكباد الإبل شهورا حتى يصلوا إليه، فيسبقهم أبو بكر بتصديق حبيبه صلى الله عليه وسلم ويقول لهم: " إن كان قد قال فقد صدق".

ولعل هذا المعيار هو ما وضعه العلماء في التعامل مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في فرز الصحيح والضعيف والموضوع منها، حيث كان معيارهم الأول هو إن كان قد قال هذا النبي فقد صدق، ووضعوا لقبول الحديث شروطًا جاءت أغلبها في مطابقة ما في الحديث مع ما جاء في الققرآن الكريم وأخبر وأمر به النبي نفسه بأن يطابق المسلمون ما جاء في قول النبي مع القرآن، فإن رأوا فيه مخالفة فليتركوه، فضلا عن اهتمام العلماء بأخبار الرجال الذي نقلوا الحديث، حتى أنه تم استبعاد كل ما نسب للنبي عن طريق غير موثوق به.
في أي شيء يصدّق النبي؟

وربما هناك من يسأل عن بعض الأوامر الذي أمر بها النبي أو نصح بها ولا يصدقها البعض منا أو يفهم القصد منها، مثل نصائح النبي بالإكثار من أكل التمر، أو النوم على الجانب الأيمن، ودخول الخلاء بالقدم اليسرى، وغيرها من الأمور التي يسأل البعض عن تفسيرها.

ومبنى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، يقوم على الإقرار له صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فمن أقر له بالرسالة، وجب عليه تصديقه مطلقا.
أما الإقرار بأنه رسول من عند الله مع رد خبره وأمره الثابت، فهو تناقض وكفر.
والأخبار الواردة عنه صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أنحاء:

1- ثابت يقينا، قد تلقته الأمة بالقبول، مثل ما في الصحيحين عموما.
2- باطل يقينا، كالموضوعات والأحاديث الضعيفة غير المنجبرة.
3- ما بين ذلك، للعلماء فيها نظر واختلاف.

فأما الباطل، فرده وتكذيبه هو الواجب الذي لا ينبغي غيره؛ لأنه كذب على صاحب الشريعة.


وأما المختلف فيه، فلا إثم على من رده فلم يقبله، اعتمادا على بحث ونظر أدى إلى تضعيفه ورده، أو ثقة في قول عالم، من علماء الحديث والجرح والتعديل، رده بعلم ودراية.

لكن الشأن في الثابت يقينا، فلا يجوز رده ولا تكذيبه، فمن فعل ذلك فهو مكذب بالنبي غير مصدق له، أو مصدق لكنه معاند، ومن أنواع الكفر: العناد.
ومن أمثلة هذا الثابت بيقين:

1- جملة ما في صحيح البخاري ومسلم، دون جميع أفرادها، حيث انتقد بعض أحاديثهما، من جمع من المحدثين الثقات، المعروفين بالسنة والعدالة، لكن لا يصح أن يكون ذلك سببا في الطعن في شيء فيهما.


2- الآثار التي المتواترة، وهي التي رواها الجمع الكثير عن الجمع الكثير، العشرة فما فوق، حيث يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب.
3- أصول الآثار التي استقر اعتقاد أهل السنة والجماعة عليها، في أبواب الاعتقاد والشريعة.

وهذا الأصل ينضوي تحته ما يلي:

1- تصديقه أنه خاتم الأنبياء والرسل.


ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما}. قال ابن كثير( التفسير6/423):
"هذه الآية نص على أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده، فلا رسول بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة".

فلو ادعى مدع أنه نبي فهو كاذب، والكذابون كثير، وهم على صنفين:

- الصنف الأول: من يدعي النبوة صراحة، فيتسمى بها، كمسيلمة والأسود العنسي.

- الثاني: من ادعى مقاما كمقام النبوة، ولو سماه بمقام الولاية، أو غير ذلك، يزعم فيه أنه يتلقى وحيا كوحي الأنبياء، ولو لم يسمه وحيا، بل: إلهاما، وكشفا، وفراسة. وهو كاذب، إذ النبوة اسم ومقام، يتلقى فيه الوحي من الله تعالى، ولا يكون لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع الأمة.

فكل من ادعاه فقد افترى كذبا، سواء ادعى الاسم، أو ادعى الحقيقة والمضمون.
2- تصديقه أنه أرسل للناس كافة.

ويشهد لهذا آيات في القرآن، كقوله تعالى:

- {وما أرسلنا إلا كافة للناس بشيرا نذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.

- {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}.

- {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا}.

فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة لجميع البشر، بل والجن، كما هو ثابت من أخبار الجن في القرآن في سورة الجن، وآخر الأحقاف، وليست خاصة، وهي ميزة تفرد بها عن سائر الأنبياء، وبذلك لا يسع أحدا من العالمين أن يخرج عن شريعته، أو يرفض دعوته، أو يدعي أنها لا تلزمه.

3- تصديقه في الحكم على من لم يتبعه ولم يؤمن به ويشهد لهذا أدلة كثيرة، كقوله تعالى:

- {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.

- وقال: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد}.

- وقال عليه الصلاة والسلام: ( والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار).

4- تصديقه أن شريعته التي أتى بها هي أحسن الشرائع، وأن دين الإسلام هو أحسن الأديان وأعلاها، وأن اليهودية والنصرانية لا تساويها بحال.

ويشهد لهذا أدلة كثيرة منها:

- قال تعالى: {ولا تهنوا لا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}.

- وقال صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه).

5- تصديقه في أن دينه شامل لكل أوجه الحياة ونشاطاتها، صغيرها وكبيرها، فلا يخرج عنه.

ويشهد لهذا قوله تعالى:

}قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين{.
فهذه القضايا من الأصول التي يجب تصديقها، والإيمان بها، والحاجة إلى التذكير بها في الوقت ماسة، لكثرة من يدخل في نفوس الناس الريب فيها، ومن يريد تعطليها ومحوها، وليعلم أن محوها محو للإسلام من أصله، فلا إسلام إلا بعلو في الأرض، فهو دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده، قال تعالى:

{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.

تصديق مطلق:

هذا وإن من التصديق التصديق المطلق، ولو لم تدرك الحكمة، فإن من صدق أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ائتمنه على الشريعة، فهو مأمون، لا يكذب ولا يفتري، والله تعالى شهد له بهذا، فإذا كان كذلك وجب تصديقه من غير تردد، ولو لم تتبد له الحكمة، هذا حال المؤمنين:

لما أسري برسول الله عاد فأخبر قومه فكذبوه وارتد كثير ممن أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا له: "هل لك يا أبا بكر في صاحبك يزعم أن قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة".

فقال لهم أبو بكر: " والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه"، فسمي يومئذ الصديق .

اضافة تعليق