حين تكون الزوجة سندًا لزوجها..

خديحة تذهب الروع عن النبي.. وتدعمه في الشدائد

الإثنين، 07 مايو 2018 01:27 م
تعبيرية

لم يجعل الله سبحانه وتعالى من السيدة خديجة رضي الله عنها مجرد سكنا لزوجها محمد صلى الله عليه وسلم، بل جعل منها سكنا لرسالة الوحي على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيتا للدعوة في فؤاده، ودعما إلهيا وروحيا لتلقي النبوة، وقوة عظيمة لاستقبال هذا العظيم الذي زلزل جسد النبي صلى الله عليه وسلم .

فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : (( أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حُبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّثُ فيه قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : (( فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني فقال : (( اقْرأْ باِسْمِ رَبِكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ )) .

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يـرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد ، فقال : زمّلوني ، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : (( لقد خشيتُ على نفسي )) . فقالت خديجة : كلا والله ، فلن يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكلَّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ".

ومن هنا بدأ إيمان المرأة العظيمة بزوجها المرسل والمبلغ والمستأمن على ختام الرسلات ودعوة التوحيد، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى ابن عم خديجة وكان قد تنصّر في الجاهلية ، وكان يـكتب الكتاب العبراني، وكان شيخاً كبيراً قد عميَ ، فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى ، يا ليتني فيه جذعاً ، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ومخرجيَّ هم ؟ )) قال : نعم ؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي .
هذا الحديث الشريف ، عن بدء الوحي ، ينقل لنا جانباً من أخلاق خديجة – رضي الله عنها وأرضاها – ووقوفها إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم ومناصرته ، والشدّ من أزره .


وقفت السيدة خديجة ثلاثة مواقف متتالية ، فيها قدوة لكل زوجة تريد أن تقتدي بسيدة نساء أهل الجنة ، في حسن استقبالها لزوجها حين عودته إلى بيته ، والتهدئة من روعه وتطمينه إلى أن الله تعالى ما يخزيه أبداً ، وتأكيد هذا من طرف ثالث تسعى إليه الزوجة الوفية المحبة .
كان الموقف الأول حين استجابت خديجة – رضي الله تعالى عنها – إلى طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن تزمله ، فزملته حتى ذهب عنه الروع ، واطمأنت نفسه ، وهدأت مشاعره ، بعد أن عاد إلى بيته صلى الله عليه وسلم داخلاً على خديجة – رضي الله عنها – وفؤاده يرجف .

وجاء الموقف الثاني حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة – رضي الله عنها – : (( لقد خشيت على نفسي )) . فكيف تمسح من نفسه هذه الخشية ؟ وكيف تشيع مكانها الطمأنينة ؟ هل تكتفي بدعوته إلى ترك هذه الخشية بقولها : لا تخشَ على نفسك شيئاً ؟ وهل يكفي هذا القول لتزول من نفسه صلى الله عليه وسلم الخشية وتشيع فيها الطمأنينة ؟
إنها – رضي الله عنها – تنفي هذه الخشية بالاعتماد على خلقه الكريـم صلى الله عليه وسلم (( إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكَلَّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق )) ، ومَن هذا خلقه ؛ فإن الله تعالى لا يخزيه أبداً .



مقدمات خلقية عظيمة ؛ تجعل خديجة – رضي الله تعالى عنها – تقسم بالله ، أنه سبحانه لا يمكن أن يخزيه صلى الله عليه وسلم ومن ثمَّ فلْتنجلِ الخشية وتتبدد ، ولتحل محلها الطمأنينة والسكينة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم .
ويأتي الموقف الثالث من خديجة – رضي الله عنها – في انطلاقها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن عم لها (( يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء أن يكتب )) ، فقد يكون قادراً على تفسير ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء ، ويزيده من ثم طمأنينة إلى أن ما أتاه ليس إلا الحق . وها هي – رضي الله عنها – حين تكون مع النبي صلى الله عليه وسلم عند ورقة بن نوفل تقول قولاً تؤكد فيه أدبها العظيم : (( يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك )) . ويظهر هذا الأدب في أمرين :
1- أنها – رضي الله عنها – لم تحدّث ابن عمها ورقة بن نوفل بما جرى مع زوجها النبي صلى الله عليه وسلم بل تركت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه حتى لا يفوتها شيء من حديثه صلى الله عليه وسلم أو تزيد فيه ، وحتى تترك له صلى الله عليه وسلم يعبر بنفسه عما لقيه في غار حراء ، وهذا بلا شك مما يزيده راحة وطمأنينة ورضاً .

2- لم تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم موجهة الطلب إليه : حدّث عمّك بما جرى لك . بل وجهت الخطاب إلى ورقة بن نوفل بقولها : (( اسمع من ابن أخيك )) وفي هذا تكريم للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالطلب من أحد الطرفين أن يسمع لا شك في أن فيه تكريماً للطرف المتحدث . ولا شك أيضاً في أن هذا يزيد من طمأنينة النبي صلى الله عليه وسلم حين يجد من يسمع له باهتمام ؛ مؤكداً له أن الذي نزل عليه هو الناموس الذي نزل على موسى عليه السلام .
كيف تقتدي المرأة المسلمة بالسيدة العظيمة
أولاً : أن تحسن الزوجة المسلمة استقبال زوجها حين يعود إليها ، فلا تضيق إذا وجدته ضائقاً أو متعباً أو قلقاً ، بل على العكس ، تهرع إليه ، وتلبي طلباته مهما كانت ، دون أن تسأله عن سبب ضيقه أو تعبه أو قلقه فور عودته إلى بيته .

ثانياً : إذا ما استقر في بيته ، وخلع ثيابه التي يخرج بها ولبس ثياب البيت ، فقد يبادر هو إلى الإفضاء لها بسبب كدره أو ضيقه ، فإذا فعل ، فعليها أن تحسن الإصغاء ، فلا تقاطعه . وإذا لم يبادر هو إلى الإفضاء لها بما سبب له الضيق أو الكدر ، فلا بأس من أن تسأله ، ولكن بلهجة تشعره فيها بانشغالها عليه ، وقلقها بشأن حاله التي عاد عليها .

ثالثاً : إذا وجدت الزوجة أن في إمكانها أن تساعد زوجها في حل المشكلة التي سببت له الضيق ، فلتبادر إلى ذلك ، فإنها – إن فعلت – ستخفف كثيراً عن زوجها ، وسيقدرّ لها مبادرتها خير تقدير .

من هي السيدة العظيمة
هي أم المؤمنين، السيدة خديجة بنت خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي بن كلاب، القرشية الأسدية، تجتمع مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في جده قُصَي.

وأمُّها: فاطمة بنت زائدة بن الأصم، يمتد نسبها إلى لؤي بن غالب الذي تنتسب إليه قريش.

وُلدت قبل عام الفيل بخمسة عشر عامًا تقريبًا، نشأت السيدة خديجة رضي الله عنها في بيت كريم مترف؛ فكان والدها زعيم بني أسد بن عبد العزى، شقيق عبد مناف وخليفته، وإليه ينتهي الفضل والكرم والسيادة بين قومه وعشيرته، يطيعونه ويهابونه ويحترمون رأيه ويقدرونه.

تزوجت قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أبي هالة بن زرارة التميمي، وكان أكثرهم مالًا وأوسعهم ثراءً، فعاشت معه تقدره ويقدرها، وولدت له بنت وهي: هالة، وولد وهو: هند. وعجَّل القَدَرُ بوفاة أبو هالة قبل أن يشبَّ طفلاه عن الطوق، وخلف لأسرته ثروة طائلة وتجارة رائجة رابحة.

وجاء في رواية أنها تزوَّجت بعده من عائذ ابن عبد الله المخزومي، فلبثت معه فترة من الزمن ثم مات أيضًا.

وبعد موت هذين الزوجين -وكانا من أشراف مكة- تقدَّم لخطبتها كثير من الرجال، ولكنها آثرت الانصراف إلى تربية ولديها، وإدارة شؤون تجارتها ومالها، حيث كانت ذات مال وفير، فكانت تستأجر الرجال ليتاجروا لها، وتجعل لهم مالًا نظير عملهم.

ولما اشتهر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة بأنه الصادق الأمين، أرسلت السيدة خديجة إليه ليعمل عندها في التجارة، فوافق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخرج إلى الشام ومعه ميسرة غلام السيدة خديجة، فأُعجب ميسرة بأخلاق الحبيب وحُسن معاملته، وصدق حديثه، وتكامل شخصيته، وعظم أمانته، فلما عاد ميسرة إلى مكة حكى للسيدة خديجة ما رآه من أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأعجبت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ورغبت في الزواج منه، فتزوَّجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانت أسنَّ منه بخمس عشرة سنة، فكان سِنُّها أربعين سنة وهو في الخامسة والعشرين، وكانت هي أولى زوجاته صلى الله عل وآله وسلم، وكان ذلك قبل البعثة النبوية المطهرة، وبعد البعثة النبوية كانت هي أوَّلَ مَنْ آمن به.

وكل أولاده صلى الله عليه وآله وسلم منها سوى إبراهيم فهو من مارية القبطية، فولدت السيدة خديجة: القاسم -وكان يكنَّى به صلى الله عليه وآله وسلم- وعبد الله وهو الطاهر والطيب، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة رضي الله عنهم.

روى الإمام أحمد بإسناده إلى السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء. قالت: فَغِرْتُ يومًا، فقلتُ: ما أكثر ما تذكرها حَمْرَاءَ الشِّدْقِ، لقد أبدلك اللهُ عز وجل بها خيرًا منها. قال: «مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِـهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ».

تُوفيت رضي الله عنها في حياته صلى الله عليه وآله وسلم في مكة سنة ثلاثة قبل الهجرة، ودفنت في المعلاة، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتتن وسمى النبي صلى الله عليه وسلم العام الذي ماتت فيه خديجة بعام الحزن.

اضافة تعليق