إصلاح ذات البين.. فضله النبي على الصيام والصلاة والصدقة

الأحد، 06 مايو 2018 10:49 ص
إصلاح ذات البين
تعبيرية



من الأمور الوقائيّة التي اعتمدها الإسلام للحفاظ على قوّة المجتمع المسلم إصلاح ذات البين، فلا ريب أن الشقاق والخلاف من أخطر أسلحة الشيطان الفتاكة الَّتي يوغر بها صدور الخلق، وقد اهتمَّ الإسلام بمسألة احتمال وقوع الخلاف بين المؤمنين وأخذها بعين الاعتبار ؛ وذلك لأن المؤمنين بَشَر يخطئون ويصيبون، ولهذا عالج الإسلام مسألة الخلاف على اختلاف مستوياتها بدءاً من مرحلة المشاحنة والمجادلة، ومروراً بالهجر والتباعد، وانتهاءً بمرحلة الاعتداء والقتال، وليس ثمة خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة يصلح فيها العبد بين اثنين ويقرب فيها بين قلبين.

 
ومن هداية الله -تعالى- للمؤمنين، ورحمته بهم، أن وحد كلمتهم بالإسلام، وجمع قلوبهم بالإيمان، فكانوا إخوة في دين الله -تعالى- كالبنيان يشد بعضه بعضا {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (آل عمران:103) وفي الآية الأخرى {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال:63).

 وما من سبيل يزيد من ترابط المؤمنين وتآلفهم إلا جاءت به الشريعة، وما من طريق تؤدي إلى التفرق والاختلاف، والضغينة والشحناء، والقطيعة والبغضاء إلا حرمتها الشريعةوما من سبيل يزيد من ترابط المؤمنين وتآلفهم إلا جاءت به الشريعة، وما من طريق تؤدي إلى التفرق والاختلاف، والضغينة والشحناء، والقطيعة والبغضاء إلا حرمتها الشريعة، ولذلك أمرت الشريعة بالبر والصلة، وحرمت العقوق والقطيعة، وأمرت بإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والحب في الله -تعالى-، والزيارة فيه، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وإتباع الجنازة، وحفظ حقوق الأهل والقرابة والجيران.

 كما حرمت الشريعة الهمز واللمز والسخرية، والغيبة والنميمة، والقذف والبهتان، والشتم والسباب، والكذب والمراء، والفجور والجدال، وغير ذلك من الأقوال والأفعال التي من شأنها أن تسبب الضغائن والخصومات، وتؤجج نيران الأحقاد والعداوات. ومع كل هذه الاحترازات الشرعية التي يربي الإسلام أهله عليها فإن الإنسان وهو يعيش صخب الحياة ومشكلاتها لا بد أن يعتريه غضب وسهو وغفلة فيعتدي على أخيه بقول أو فعل في حال ضعف منه عن كبح جماح نفسه، وحتى لا يتسبب هذا الخطأ منه في الخصومة والقطيعة التي يغذيها الشيطان، وينفخ في نارها؛ رتب الإسلام أجورا عظيمة على الحلم وكظم الغيظ والعفو عن الناس، ووعد الله -سبحانه وتعالى- الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس جنةً عرضها السموات والأرض، قال تعالى: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

 
من أجل ذلك شرع الإسلام إصلاح ذات البين، وأمر الله -تعالى- به، وأباح للمصلحين ما حرَّم على غيرهم، ورتب أعظم الأجور على هذه المهمة العظيمة. والأمر بإصلاح ذات البين جاء في قول الله -تعالى-: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (الأنفال:1) وفي الآية الأخرى {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} (الحجرات:10) وفي آية ثالثة {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (النساء:128).
 والاشتغال بالصلح بين المتخاصمين أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات؛ لما في الإصلاح بين الناس من النفع الكبير ما يؤدي إلى متانة المجتمع وقوته  والاشتغال بالصلح بين المتخاصمين أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات؛ لما في الإصلاح بين الناس من النفع الكبير ما يؤدي إلى متانة المجتمع وقوته بتآلف أفراده وتماسكهم، روى أبو الدرداء -رضي الله عنه- فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟" قالوا: بلى، قال: "إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة".

 فالإصلاح بين الناس معدود في الصدقات بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة". قال النووي -رحمه الله تعالى-: "ومعنى تعدل بينهما تصلح بينهما بالعدل". ولعظيم أمر الإصلاح بين الناس أبيح للمصلحين ما حُرِّم على غيرهم؛ فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا إذا كان غرض المناجي لأحدهما الإصلاح بينهما، وقد ذم الله -تعالى- كثيرا من التناجي إلا ما كان للإصلاح {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (النساء:114). وفي الآية الأخرى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المجادلة:9) ومن أعظم التناجي بالبر والتقوى ما كان للإصلاح بين مسلمين قد فسد ما بينهما.

 وقد يحتاج المصلح إلى بعض الكذب ليُقَرِّب بين المتخاصمين، ويزيل ما بينهما من الضغينة، ويهيأ قلبيهما لقبول الصلح والعفو؛ وذلك كأن يخبر أحد الخصمين بأن صاحبه لا يذكره إلا بخير، وأنه متشوف لمصالحته، حريص على قربه ومودته مع عدم حقيقة ذلك، أو يسأله أحد الخصمين إن كان خصمه ذكره بسوء عنده فينفي ذلك مع وقوعه منه، وما قَصَدَ بكذبه إلا إطفاء نار الخصومة، وإزالة أسباب الشحناء، فَرُخِّص له في ذلك مع قبح الكذب، وعموم المنع منه؛ كما جاء في حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فَيَنْمِي خيرا أو يقول خيرا". (متفق عليه).

وقال نعيم بن حماد: "قلت لسفيان بن عيينة: أرأيت الرجل يعتذر إليَّ من الشيء عسى أن يكون قد فعله ويحرف فيه القول ليرضيه، أعليه فيه حرج؟ قال: لا، وقال نعيم بن حماد: "قلت لسفيان بن عيينة: أرأيت الرجل يعتذر إليَّ من الشيء عسى أن يكون قد فعله ويحرف فيه القول ليرضيه، أعليه فيه حرج؟ قال: لا، ألم تسمع قوله "ليس بكاذب من قال خيرا أو أصلح بين الناس" وقد قال الله -عز وجل-: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (النساء:114) فإصلاحه فيما بينه وبين الناس أفضل إذا فعل ذلك لله وكراهة أذى المسلمين، وهو أولى به من أن يتعرض لعداوة صاحبه وبغضته؛ فإن البغضة حالقة الدين، قلت: أليس من قال ما لم يكن فقد كذب، قال: لا، إنما الكاذب الآثم، فأما المأجور فلا، ألم تسمع إلى قول إبراهيم عليه السلام {إِنِّي سَقِيمٌ} (الصَّفات:89) و {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} (الأنبياء:63) وقال يوسف لإخوته: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} (يوسف:70) وما سرقوا وما أَثِمَ يوسف؛ لأنه لم يرد إلا خيرا، قال الله -عز وجل-: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} (يوسف:76)، وقال الملكان لداود -عليه السلام-: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} (ص:22) ولم يكونا خصمين وإنما أرادا الخير والمعنى الحسن...بل إن المصلح بين الخصمين منهي عن الصدق إذا كان صدقه يشعل نار الفتنة بينهما، ويزيد فرقتهما.

اضافة تعليق