" إرم ذات العماد".. قصة مدينة تحدث عنها القرآن

الأربعاء، 02 مايو 2018 10:23 ص
مدينة إرم
بقايا مدينة أرم

ذكرت كتب اللغة لفظ إرم على أنّه الحجارة التي يتم نصبها، أما جمع إرم فهو أُروم وآرام، وورد اللفظ في القرآن الكريم مرة واحدة فقط، وكان مرتبطاً بصفة ذات العماد، فقال تعالى في كتابه العزيز: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ).

أمّا تفسير الآيات فقد اختلف عليه المفسرون، كما اختلفوا في إعراب الكلمات وخاصة إعراب كلمة إرم، والتي وردت بعد لفظ عاد، وورود الكلمة بعد لفظ عاد هو السبب في اختلاف إعرابها، حيث ذهب المفسرون إلى أن إرم عطف بيان، أو أنها بدلٌ من عاد، وبالتالي فإنّ عاد هي إرم ذاتها، أما لفظ ذات العماد فقد فسّروه بأن قوم عاد هم أناس قامتهم طويلة، قد تصل إلى أربعمائة ذراع، أما الرأي الآخر في الإعراب فيتضمن أن لفظ إرم مضاف إلى عاد، وأنّ إرَم هي اسم البلدة أو أمّ قوم عاد، أما ذات العماد فهو وصف لإرم أو هو تعبير عن اسم المدينة.

وقد أجمع جمهور العلماء على أن لفظ إرم لا يصح أن يكون بدلاً من عاد؛ حيثُ قال تعالى في سورة الفجر: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ)، وبالتالي فإنّ إرم هي مدينة وهي مسكن قوم عاد وليست عاد أنفسهم.

وعن منصور ، عن أبي وائل قال: إن رجلا يقال له عبدالله بن قلابة خرج في طلب إبل له قد شردت، فبينا هو في صحارى عدن إذ هو قد وقع على مدينة عليها حصن، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال، فلما دنا منها ظن أن فيها من يسأله عن إبله فلم ير داخلا ولا خارجا، فنزل عن ناقته وعقلها وسل سيفه ودخل من باب الحصن، فإذا هو ببابين عظيمين لم ير في الدنيا أعظم منهما ولا أطول، وإذا خشبها من أطيب عود، وعليها نجوم من ياقوت أصفر وياقوت أحمر ضوؤها قد ملأ المكان، فلما رأى ذلك أعجبه ففتح أحد البابين ودخل فإذا هو بمدينة لم ير الراؤون مثلها قط، وإذا هو بقصور كل قصر منها معلق تحته أعمدة من زبرجد وياقوت، وفوق كل قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعلى كل باب من أبواب تلك القصور مصاريع مثل مصاريع باب المدينة من عود طيب قد نضدت عليه اليواقيت، وقد فرشت تلك القصور باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران.

فلما رأى ذلك ولم ير هناك أحدا أفزعه ذلك ونظر إلى الأزقة وإذا في كل زقاق منها أشجار قد أثمرت، تحتها أنهار تجري فقال: هذه الجنة التي وصف الله عزوجل لعباده في الدنيا، فالحمدلله الذي أدخلني الجنة، فحمل من لؤلؤها وبنادقها بنادق المسك والزعفران، ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ولا من ياقوتها لأنه كان مثبتا في أبوابها وجدرانها، وخرج حتى أتى ناقته وركبها.

ثم سار يقتفي أثره حتى رجع إلى اليمن وأظهر ما كان معه وأعلم الناس أمره، وباع بعض ذلك اللؤلؤ، فشاع خبره وبلغ معاوية بن أبي سفيان فأرسل رسولا إلى صاحب صنعاء وكتب بإشخاصه ، فشخص حتى قدم على معاوية فخلا به وسأله عما عاين فقص عليه أمر المدينة وما رأى فيها وعرض عليه ما حمله منها من اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران، فقال: والله ما أعطي سليمان بن داود مثل هذه المدينة، فبعث معاوية إلى كعب الأحبار فدعاه فقال له: يا أبا إسحاق هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة، وعمدها زبرجد وياقوت، وحصى قصورها وغرفها اللؤلؤ، وأنهارها في الأزقة تجري تحت الأشجار، قال كعب: أما هذه المدينة صاحبها شداد بن عاد الذي بناها، وأما المدينة فهي إرم ذات العماد وهي التي وصفها الله عزوجل في كتابه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله، وذكر أنه لم يخلق مثلها في البلاد.

قال معاوية: حدثنا بحديثها، فقال: إن عاد الأولى وليس بعاد قوم هود - كان له ابنان سمى أحدهما شديدا، والآخر شدادا، فهلك عاد وبقيا وملكا وتجبرا وأطاعهما الناس في الشرق والغرب، فمات شديد وبقي شداد فملك وحده لم ينازعه أحد، وكان مولعا بقراءة الكتب، وكان كلما سمع يذكر الجنة وما فيها من البنيان والياقوت والزبرجد واللؤلؤ رغب أن يفعل مثل ذلك في الدنيا عتوا على الله عزوجل، فجعل على صنعتها مائة رجل تحت كل واحد منهم ألف من الأعوان فقال: انطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها فاعملوا لي فيها مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ، واصنعوا تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد، وعلى المدينة قصورا، وعلى القصور غرفا، وفوق الغرف غرفا، واغرسوا تحت القصور في أزقتها أصناف الثمار كلها، وأجروا فيها الأنهار حتى تكون تحت أشجارها فإني أرى في الكتاب صفة الجنة وأنا أحب أن أجعل مثلها في الدنيا، قالوا له: كيف نقدر على ما وصفت لنا من الجواهر والذهب والفضة حتى يمكننا أن نبني مدنية كما وصفت ؟ قال شداد: ألا تعلمون أن ملك الدنيا بيدي؟ قالوا: بلى، قال: فانطلقوا إلى كل معدن من معادن الجواهر والذهب والفضة فوكلوا بها حتى تجمعوا ما تحتاجون إليه، وخذوا جميع ما تجدونه في أيدي الناس من الذهب والفضة، فكتبوا إلى كل ملك في الشرق والغرب فجعلوا يجمعون أنواع الجواهر عشر سنين فبنوا له هذه المدينة في مدة ثلاث مائة سنة، وعمر شداد تسعمائة سنة، فلما أتوه وأخبروه بفراغهم منها قال: فانطلقوا فاجعلوا عليها حصنا، واجعلوا حول الحصن ألف قصر، عند كل قصر ألف علم، يكون في كل قصر من تلك القصور وزير من وزرائي، فرجعوا وعملوا ذلك كله، ثم أتوه فأخبروه بالفراغ منها، فأمر الناس بالتجهيز إلى إرم ذات العماد، فأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين، ثم سار الملك يريد إرم فلما كان من المدينة على مسيرة يوم وليلة بعث الله عزوجل عليه وعلى جميع من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم، ولا دخل إرم ولا أحد ممن كان معه، فهذه صفة إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وإني لأجد في الكتب أن رجلا يدخلها ويرى ما فيها ثم يخرج فيحدث الناس يما يرى فلا يصدق، وسيدخلها أهل الدين في آخر الزمان.

اضافة تعليق