"الدُّنيا حلوةٌ خَضِرة".. هكذا بنى النبي الإنسان

الأربعاء، 02 مايو 2018 10:18 ص
الدُّنيا-حلوةٌ--هكذا-بنى-النبي-الإنسان-أخلاقيا-وقيمي
تعبيرية

 
الدُّنيا حلوةٌ خَضِرة.. هكذا به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، إلى ضرورة العمل في الدنيا والنجاح والاجتهاد لتحقيق الأهداف، ليس فقط كنازع شخصي وإنما لاستكمال البناء في الأرض، سواء من خلال بناء الإنسان ذاته أو تعمير الدنيا.

فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم ( إنَّ الدُّنيا حلوةٌ خَضِرة، وإنَّ الله مُستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملُون؟ فاتقوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساء؛ فإنَّ أوَّل فِتنة بني إسرائيل كانت في النِّساء) رواه مسلم شرح الحديث الشريف.


"الدنيا حلوةٌ خضرة"، أي أن الدنيا حلوة المذاق وهي خضرة للعين والشيء الذي يكون حلو المذاق وخضر المرأى فإن العين ستطلبه أولا وثانيا ستطلبه النفس وإذا اجتمع الأمران في طلب العين وطلب النفس فيخشى على الإنسان من أن يقع فيه فيغتر الإنسان وينهمك في الدنيا ويجعلها أكبر همه.

"إن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون"، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول للمسلم إن الله تعالى استخلف الإنسان في الأرض ليقوم بطاعته وأن ينهى نفسه عن الهوى ويقوم بما أمره به الله ولا يغتر بالدنيا وأن يعمروا الأرض ليقدروا على العيش فيها ولا يقومون بتخريبها والسعي لنشر الإسلام فيها والمبادئ السليمة والأخلاق الرفيعة التي أمر بها الله تعالى والابتعاد عن محرماته.

"فاتقوا الدنيا"، أي أن الإنسان يجب عليه أن يقوم بما أمره الله ويترك ما نهى عنه ولا يغتر بالحياة الدنيا فقد قال تعالى في كتابه العزيز: "فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، لقمان: 33". ومن ثم فاحْذَرُوا من الحياة الدنيا لأنَّها تظهر لكُم بمظاهر تستهويكم ولكن حقيقتها غير ذلك ، وأنَّها دار مَمَر وعُبُور وليست دار مَقَر ، فعلى المسلم أن يكون في الدُّنيا كأنَّه غريب أو عابر سبيل، ودار البقاء هي الآخرة في جنة الله التي عرضها السموات والأرض.

ومن أهمّ خصائص رسالة الإسلام ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلّم أنها رسالة بناء، وإنّ عملية بناء الأوطان ليست أقوالاً سابحةً في أثير الهواء، ولا خطباً رنانة في ميادين فسيحة؛ بل هي أفعال تراها بوضوح في ميادين العمل والإنتاج والأخلاق والقيم. وصدق الله إذ يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

ودعا الإسلام بني البشر إلى التعارف والتعاون واحترام بعضهم البعض؛ يقول عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].. كما حرّم الإسلام الاعتداء على دين الإنسان، وماله، ونفسه، وعِرْضِه، وبدنِه، وأرضِه، وعقلِه، وحريتِه..

وقد كانت أولى خطوات النبي الحبيب -حتى قبل الهجرة- في دار الأرقم، وهي تلك الدار التي استطاع النبي من خلالها أن يبني الإنسان بناء متكاملا من العقيدة والعبادة والأخلاق والشجاعة والهمّة العالية. وبناء الإنسان يأتي من الآتي: من البناء العقدي والإيماني الصحيح لا المغشوش، فهناك تدين مغشوش، تدين الدروشة، تديّن المصلحة، تديّن الظروف، تديّن التلوّن، تديّن القشور والمظهر لا اللباب والمخبر، ... وبناء الإنسان تعبديًّا: حيث تصحيح مفهوم العبادة في حياة الإنسان، والعمل على بنائه أخلاقيا وقيميًّا.

فإنّ المجتمع الذي يتمزّق فيه عُرى الأخوة والوحدة يكون عُرْضَةً للعنف والشتات والتدخل الخارجيّ؛ فلا بدّ من وحدة الصفّ بين أبناء المجتمع الواحد كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلّم في أوّل مَقْدِمِهِ إلى المدينة الطيبة؛ آخى بين المسلم والمسلم أخوة إنسانية ووطنية وإسلامية، كما آخى بين المسلم وغير المسلم أخوة إنسانية ووطنيّة، فاستطاع أن يحفظ الوطن في أوّل عهد تأسيسه، يقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول –كما ثبت في صحيح مسلم من حديث النعمان-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».. فكونوا جميعًا إذا اعترى خطبٌ ولا تتفرّقوا آحادًا؛ تأبى الرّماح إذا اجتمعن تكسّرًا وإذا تفرّقت تكسّرت أفرادًا.

اضافة تعليق