أطفال تأدبوا بأدب الرسول

الأربعاء، 02 مايو 2018 10:12 ص
التربية على المنهج النبوي



لاشك أن المنهج النبوي التربوي هو أعظم منهج أحدث تغييرًا عرفته البشرية، فقد حوَّل الأعراب الجفاة من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة رب العباد، ومن التعلق بالدنيا وأطماعها إلى إرادة وجه الله عز وجل ومرضاته، ومن الفرقة والنزاعات والخرافات إلى الاجتماع والتآلف وصناعة الحضارة.

كان محمد (صلى الله عليه وسلم) خير تجسيد للمثالية الواقعية، وكان تركيز القرآن الكريم على "بشرية" محمد (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد.. "(الكهف: 110)، و(فصلت: 6)."... "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولا"، (الإسراء: 93).

ومن منطلق هذه البشرية، ومن منطلق هذه "المثالية الواقعية" كان الأمر بطاعة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهي طاعة تدخل في حدود الإمكان والطاقة البشرية، فلا تكليف إلا بما في وسع هذه الطاقة: "وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون" (آل عمران: 132).. "من يطع الرسول فقد أطاع الله" (النساء: 79).. "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" (الحشر: 7).

قد تكون سائراً مع ابنك في طريق ترمقكم عيون الناس أو يكون معك في مجلس، فيُخطئ الطفل أو لا يُحسن التصرف في موقف من المواقف، ما قد يُخجلك أمام الناس. وهنا يختلف رَدّ فعل المربين؛ فمنهم مَن يضرب هذا الولد، ومنهم مَن يُهمله ويتركه من دون تعليم، ومنهم مَن يُبرّر له خطأه، ومنهم مَن يُحسن فهم الموقف ويعطيه حقه...

وتأمّل معي هذا الموقف النبوي، فقد ورد في الصحيحين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: أخذ الحسن بن علي، رضي الله عنهما، تمرة من تمر الصَّدَقَة فجعلها في فِيِه، فقال رسول الله(( )): "كخْ كخْ، إرمِ بها، أمَا علمتَ أنَّا لا نأكل الصدقة؟".

طفل تتوق نفسه لحبّة تمر يتناولها، فما يدع النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا الموقف يمرّ من دون أن يُعلّم الطفل، ولم تأخذه عاطفة الأبوة فيترك للولد طفولته، بل زَجَرَهُ بكلمة يفهم الصغار أنها تحذير من شيء لا يليق، وأسلوب يتناسب مع طفولته البريئة، ثم قال: أما علمت؟ وكأنه يُعامله معاملة الذي يعرف ولكنه قد نسي، وكأنَّهُ يُذكّره فقط ليرفع من هِمّته وليكون أدْعَى لقبول النصيحة ويُشعره بأن هذه الأخلاق لا تليق بأمثاله.

وهذا موقف ثانٍ.. أخرج الشيخان عن أنس، رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وغلام أسود يُقال له أنجشة يحدو، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَيْحَك يا أنجشة!! رويدك سوقَك بالقوارير" يعني النساء.. إنه التنبيه اللطيف من دون عنف ولا ازدراء.

والضرب على التقصير في الأمور المهمة يكون في سن العاشرة، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يَأَذَن بضرب الطفل على التقصير في أمر الصلاة، وهي ركن الدين وعموده، فمن الأولى ألاّ يُضْرب في باقي الأمور السلوكيّة التي لا تساوي مكانة الصلاة أهميةً ومنزلةً عند الله تبارك وتعالى.

 وأما المنهج التربوي النبوي في تنمية العقيدة والعبادة، فقد رَوَى الحاكم عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "افْتَحُوا عَلَى صِبْيَانِكُمْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ".. وروى عبدالرزاق في المصنف: "كانوا يستحبون أول ما يفصح أن يعلموه لا إله إلا الله سبع مرات، فيكون ذلك أول ما يتكلم به".

 وروى عبدالرزاق في المصنف عن عبدالكريم بن أبي أمية، رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعلم الغلام من بني هاشم إذا أفصح سبع مرات: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]

 وما أعظم تلك الكلمات النبوية والنبي صلى الله عليه وسلم يُلقّنها لغلام يردفه خلفه على راحلته بأسلوب يثير في القلب كل كوامن العشق لله تعالى من التعلق به والتوجه إليه وقطع الأمل من سواه، وتجعل الفطرة على يقين بأن الله جَلّ جلاله، هو وحده المتصرف في الكون ولا سلطان لغيره مهما عظمت قوته أو كثر جمعه أو عز جاهه، أخرج الترمذي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ".

 بعد هذا الأسلوب المحكم من التربية على الإيمان بالله تعالى وإخلاص القلب له. لا يصعب على هذا الطفل إذا اشتد عوده أن يؤدي ما عليه من واجب العبادة لله تعالى وطاعته.

فكان صلى الله عليه وسلم، بعد تلقين التوحيد يُعلّم الطفل ويلفت انتباهه إلى ما يجب عليه من عبودية الله تعالى، أليس هو الذي أوجدنا من العَدَم؟ أليس هو الذي أكرمنا بنعمتي الإيجاد والإمداد؟ فيُؤمَر الطفل بالصلاة لسبع سنوات، وهي أهم أركان الإسلام وما بعدها تبع لها، وكان عليه الصلاة والسلام، يُباشر بنفسه تعليم الأطفال ما يحتاجون إليه من أمور الصلاة وغيرها.

أخرج أبوداود والترمذي عن الحسن بن علي، رضي الله عنهما، قال: علّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلمات أقولهنّ في الوتر: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قْضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي بالحق وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ".

 وكان يُوجّه الأطفال للصف في الصلاة، ويُعلّمهم آدابها ويَصْحَبهُم إلى صلاة العيد ويُعلّمهم أركان الإسلام كما يعلم الكبار، لا يُفرّق في تعليمه بين صغير وكبير.

أما التربية النبوية الاجتماعية، فالنبي المعلم صلى الله عليه وسلم، لم يكن يقصي الصغار عن مجلسه أو يُبعدهم حتى يتعلم الصغير أصول الحياة الاجتماعية، بل كان يُمازحهم ويفتح عقولهم بالسؤال ويُسلّم عليهم إذا لقيَهُم ليرفعهم إلى مصاف الرجولة ويمشي معهم في الطريق ويُشعرهم برجولتهم ويعلمهم آداب الطريق والمجلس ويَعُودَهم إذا مَرِضُوا.

أخرج البخاري ومسلم عن أنس، رضي الله عنه، أنه مَرَّ على صبيان، فسلّم عليهم وقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يفعله).. وهذا عبد الله بن عمر، رضي الله عنه، وغيره من صبيان الصحابة يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان عليه الصلاة والسلام، يزور الأنصار فيسلّم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم ويدعو لهم، وعاد غلاماً يهودياً مَرِضَ ودعاهُ إلى الإسلام. ويرى طفلاً يبيع ويشترى فيشد من أزره بدعائه له.

رَوَى أبويعلى والطبراني عن عمرو بن حريث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مَرّ بعبدالله بن جعفر وهو يبيع بيع الغلمان، قال: "اللَّهُمَّ بَارَكَ لَهُ في بَيْعِه". وفي البخاري ومسلم عن أنس، رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحسن الناس خلقاً وكان أخ لي يُقال له أبوعمير وهو فطيم، كان إذا جاءنا قال: يا أبا عمير ما فعل النّغير) والنغير: طائر صغير.

وروى الطبراني عن جابر، رضي الله عنه، قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدُعينا إلى طعام، فإذا الحسين يلعب في الطريق مع صبيان، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم ثم بسط يده فجعل يفر ها هنا وهناك فيُضاحكهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أخذه فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه وأذنيه ثم اعتنقه وقبّله).

فأطْلِق العِنان لخيالك وتصور الموقف، هذا النبي العظيم، صلى الله عليه وسلم الذي يتنزل عليه جبريل بوحي الله وتتنزل عليه ملائكة السماء، وهو المتواضع الذي يُداعب صبياً في طريق من طُرق المدينة ويهرع إليه ويُداعبه أمام أصحابه، أمَا إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اضافة تعليق