هكذا كان يعامل رسول الله خادمه

الأربعاء، 02 مايو 2018 10:04 ص
الإسلام وحقوق الأجير
تعبيرية


اقتضت مشيئة الله وحكمته أن يجعل بعض عباده أغنياء وبعضهم فقراء، وسخر كلاً من الطائفتين للأخرى، فلا شك أن الخدم والأجراء نعمة من الله تعالى على المخدومين لتسهيل أمور دنياهم، فيتحملون عنهم أعباء الأعمال وهمومها ليوفروا على مخدوميهم الراحة والسعادة والتخفيف من المتاعب والمشاق، ولذا نهج لنا الإسلام منهاجاً يضمن حقوق هؤلاء الأجراء والخدم مالياً وأدبياً كإطعامهم واحترامهم وإكرامهم.

يقول الله عز وجل: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾ [الأنعام: 165]، وعن المعرور بن سويد، قال: رأيت أبا ذر بالرَّبَذة وعليه برد غليظ، وعلى غلامه مثله، قال: فقال القوم: يا أبا ذر، لو كنت أخذت الذي على غلامك، فجعلته مع هذا، فكانت حلة، وكسوت غلامك ثوبًا غيره، قال: فقال أبو ذر: إني كنت سابَبْتُ رجلًا، وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه، فشكاني إلى رسول الله فقال: ((يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية))، قال: ((إنهم إخوانكم، فضلكم الله عليهم، فمن لم يلائمكم فبيعوه، ولا تُعذِّبوا خلق الله)).

ولنا أسوة وقدوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يعامل خدمه بمنتهى الرفق واللطف، ويُحسن إليهم في أمورهم، فلا يلومهم فيما صدر عنهم من الأخطاء والزلات، ويعتني بحاجياتهم، ويقضي مآربهم، حتى ما يقول لهم أفٍ قط.

فيقول أنس بن مالك رضي الله عنه: خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سنين، لا والله ما سبني سبَّة قط، ولا قال لي: أف قط، ولا قال لي لشيء فعلته: لمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟.

ويروي أنس رضي الله عنه بنفسه: أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أحسن الناس خُلقًا، أرسلني يومًا لحاجة، فقلتُ: والله لا أذهب - وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم - فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: ((يا أُنَيْسُ، أذهبتَ حيث أمرتُك؟))، فقلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله.

كانت سيرة رسول الله خير شاهد على عظمة النظرة الإسلامية للخدم والعمَّال، وكانت إقرارًا من رسول الله، فقد دعا رسول الله أصحاب الأعمال إلى معاملتهم معاملة إنسانيَّة كريمة، وإلى الشفقة عليهم، والبرِّ بهم، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون من الأعمال، فقال رسول الله: ".. إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ".

فجاء تصريح رسول الله: "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ"؛ ليرتفع بدرجة العامل الخادم إلى درجة الأخ! ولتصبح هذه الضوابطَ العامَّة التي توفِّر الحياة الكريمة لبني الإنسان عمومًا.

وألزم كذلك صاحب العمل أن يُوَفِّيَ للعامل والخادم أجره المكافئ لجُهده دون ظلم أو مماطلة، فقال رسول الله: "أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ".

وحذَّر رسول الله من ظلمهم فقال: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ". فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ فقال: "وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ".

ومن حقِّهم أيضًا أن تُحْفَظ حقوقهم الماليَّة من الغبن، والظلم، والاستغلال؛ لذلك قال رسول الله في الحديث القدسي عن ربِّ العزَّة: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ". لِيَعْلَمَ كلُّ مَنْ ظلم عاملاً أو خادمًا، أن الله رقيب عليه وخصم له يوم القيامة.

ومن رحمة الإسلام، أنه حث صاحب العمل بإطعام أجيره، أخرج الإمام أحمد بسند ثابت عن المقداد بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة».

كما يجب على صاحب العمل عدم إرهاق العامل إرهاقًا يضرُّ بصحَّته ويجعله عاجزًا عن العمل، ولقد قال رسول الله في ذلك: "مَا خَفَّفْتَ عَنْ خَادِمِكَ مِنْ عَمَلِهِ، كَانَ لَكَ أَجْرًا فِي مَوَازِينِكَ".

ومن الحقوق التي تُعتبر علامة مضيئة في الشريعة الإسلاميَّة حقُّ الخادم في التواضع معه، وفي ذلك يُرَغِّب الرسول أُمَّته قائلاً: "مَا اسْتَكْبَرَ مَنْ أَكَلَ مَعَهُ خَادِمُهُ، وَرَكِبَ الْحِمَارَ بِالأَسْوَاقِ، وَاعْتَقَلَ الشَّاةَ فَحَلَبَهَا".

ولأن حياة رسول الله كانت تطبيقًا لكل أقواله، فإن السيدة عائشة -رضي الله عنها- تروي فتقول: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ خَادِمًا..."

وقال أبو مسعود البدريُّ: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي: ((اعلَمْ أبا مسعود))،فلم أفهم الصوت من الغضب - قال - فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقول: ((اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود))،قال: فألقيتُ السوط من يدي، فقال: ((اعلَمْ أبا مسعود أن اللهَ أقدرُ عليك منك على هذا الغلام))،قال: فقلتُ: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا

وقد امتدَّت رحمة رسول الله بخدمه لتشمل غير المؤمنين به أصلاً، وذلك كما فعل مع الغلام اليهودي الذي كان يعمل عنده خادمًا، فقد مرض الغلام مرضًا شديدًا، فظلَّ النبي يزوره ويتعهَّده، حتى إذا شارف على الموت عاده وجلس عند رأسه، ثم دعاه إلى الإسلام، فنظر الغلام إلى أبيه متسائلاً، فقال له أبوه: أطِعْ أبا القاسم. فأسلم، ثم فاضت رُوحه، فخرج النبي، وهو يقول: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ".

عن أبي ذر الغفاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((إن الفقيرَ عند الغني فتنة، وإن الضعيف عند القوي فتنة، وإن المملوك عند المليك فتنة، فليتقِ اللهَ عز وجل، وليُكلِّفْه ما يستطيع، فإن أمره أن يعمل بما لا يستطيع فليُعِنْه عليه، فإن لم يفعل فلا يعذبه)).

ونهى الإسلام عن احتقار الخادم أو الأجير والحط من شأنه، فأن من حسن الخلق أن نحرص على نفسية خادمنا، فلا نهينه بكلمة نحتقره بها، أو نحط بها من شأنه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله  "صلى الله عليه وسلم": «لا يقولن أحدكم عبدي فكلكم عبيد الله، ولكن ليقل فتاي، ولا يقل العبد ربي ولكن ليقل سيدي».

اضافة تعليق