يأس أم استيئاس؟.. روشتة نبوية لفك الكرب والتماس الفرج

الثلاثاء، 01 مايو 2018 11:13 ص
يأس-أم-استيئاس
تعبيرية

فرق كبير وضعه العلماء بين اليأس والاستيئاس.. فالاستيئاس مقبول ومشروع فالرسل عليهم السلام قد يصلوا إليه، ولكن اليأس محرم، وقد فرق الله تعالى بين هذا وذاك، فقال في محكم آياته ((حتى اذا استيئس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا ...)) وقال عن اليأس: " (( انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون )).
 
فالاستيئاس هو ألا يجد العبد طريقا إلى حل المشكلة ولكن يعرف ويوقن أن لله طرائق بعدد انفاس الخلائق، وحلول أكثر من أنفاس المخلوقات فى السموات والأرض، فالعبد هنا يائس من أرائه وفكره موقن فى ربه ووسع فضله وعلمه.
 
أما اليأس فهو مرض يصيب ذاك العبد المأفون الذى قايس بين علمه وعلم ربه فلما رأى ضيق خياراته ووعورة الطريق وقلة السالكين حسب أن الله محصور فى خياراته وآرائه وأن الله يحتاج إلى الأسباب ليصل إلى النتائج.
 
الفجر بعد الظلمة واليسر بعد العسر
 
وجعل الله سبحانه وتعالى أشد الأوقات ظلمة يتعقبها الفجر وحين تشتد الكربات يقترب الفرج وحين يتملك النفوس اليأس من شدة العسر وتأخر النصر ومعاندة المكذبين ومحاربتهم يمن الله بالروح والتنفيس عن المؤمنين والتمكين لهم كما قال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110)
وكما قال عز وجل: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح:5-6)
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: واعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا .
 
كيف تجد اليقين بداخلك؟
 
يؤكد العلماء المتخصصون أن هناك دلالات على صبر المؤمن وتجديد اليقين بالله في داخله، موضحين أن صاحب الثقة بالله تعالى لا يهتز يقينه ولا يتزعزع إيمانه حتى وإن رأى تكالب الأمم واشتداد الخطوب لأنه يعلم أن الأمر كله لله تعالى وأن العاقبة للحق وأهله وأن المستقبل لهذا الدين:(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة:21)
 
وقالوا إن هذا اليقين بنصر الله كان واضحا جليا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى في أشد اللحظات وأحرج الساعات فحين شكا إليه بعض أصحابه رضي الله عنهم اشتداد أذى المشركين كان يقول لهم: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون .
 
وحين أخرج من بلده مهاجرا ودخل هو والصديق رضي الله عنه الغار ولحق بهما المشركون خشي عليه الصديق رضي الله عنه حتى قال : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما .
 
وربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم على هذه العقيدة المباركة فانطلقوا في الأرض هداة دعاة حتى إن أحد المسلمين حين وقع في أسر الكفار قال له كبيرهم: ما الذي جاء بكم؟ فقال الأسير المسلم: جئنا لتحقيق موعود الله قال وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات والظفر لمن بقي... كما تجلت آثار هذه العقيدة في أحلك المواقف فحين أغارت قريش على المسلمين في المدينة في غزوة الأحزاب فحاصروا المسلمين واشتد الكرب حتى غمز المنافقون المسلمين وطعنوا في وعد رسول الله بالتمكين فقالوا:كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته لكن المؤمنين كان لهم موقف آخر سطره القرآن وأشاد به فقال الله عز وجل: (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) (الأحزاب:22) .

استصحاب الصبر
 
وجعل الله سبحانه وتعالى جزاء المؤمن الذي يدعو إلى الله تعالى والمجاهد الذي يجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمته تعالى يحتاج إلى هذا اليقين مع استصحاب الصبر حتى لا يتسلل إليه يأس أو ملل وقد كان ابن القيم رحمه الله تعالى يقول : سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ثم تلا قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24).
 
كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشر بأن ملك أمته سيبلغ المشارق والمغارب: إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها.
 
كما أخبر صلى الله عليه وسلم باستمرار زيادة الإسلام حتى يبلغ ما تحت السماء فقال: ولا يزال الإسلام يزيد وينقص الشرك وأهله حتى تسير المرأتان لا تخشيان إلا جورا والذي نفسي بيده لا تذهب الأيام والليالي حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم .
 
ربك عنده الفرج
 
 والمقياس عند الله تعالى غير مقياس البشر، وتدبير الله يختلف عن تفكير البشر، فجعل الله من الضعف قوة وذلك واضح من التأمل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم .
 
كما أن المسلم المسوق بالأغلال المحبوس بالأقبية الملاحق في كل مكان الفاقد للسلاح الفقير المعدم بدعوته وصلاته وإخلاصه ينصر الله هذه الأمة رغم كل صور الضعف التي تمثلت فيه...قد نرى القوة اليوم بيد أعدائنا والغلبة لهم علينا..ولكن لا ننسى أن الله تعالى هو المتصرف بهذا الكون وعينه سبحانه لا تغفل عن عباده المؤمنين ولن يرضى لهم دوام الذلة واستمرار القهر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الميزان بيد الرحمن يرفع أقواما ويضع آخرين ).(هذه أخلاقنا).
 
الصدق مفتاح النصر
 
ويؤكد العلماء أن صدق المؤمن في انتمائه لهذا الدين وعمله لنصرته والتمسك به قولا واعتقادا وعملا باستقامة على منهج الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والوقوف عند حدود الله تعالى، هو مفتاح النصر والتماس الفرج.
 

اضافة تعليق