روجيه جارودي.. مفكرة انتهت بثلاثة وعود دافع بها عن الإسلام.. فماهي؟

الإثنين، 30 أبريل 2018 12:48 م
روجيه-جارودي


روجيه جارودي (17 يوليو 1913 - 13 يونيو 2012 ) هو فيلسوف وكاتب فرنسي اعتنق الإسلام سنة 1982.

ولد في فرنسا، لأم كاثوليكية وأب ملحد. اعتنق البروتستانتية وهو في سن الرابعة عشرة، درس في كل من جامعة مرسيليا وجامعة إيكس أون بروفانس وانضم إلى صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي، وفي عام 1937 عين أستاذا للفلسفة في مدرسة الليسيه من ألبي.

خلال الحرب العالمية الثانية أُخذ كأسير حرب لفرنسا الفيشية في الجلفة بالجزائر بين 1940 و1942. وفي عام 1945 انتخب نائبا في البرلمان، وصدر أول مؤلفاته عام 1946، حصل جارودي على درجة الدكتوراه الأولى سنة 1953 من جامعة السوربون عن النظرية المادية في المعرفة، ثم حصل على درجة الدكتوراه الثانية عن الحرية عام 1954 من جامعة موسكو.

طرد من الحزب الشيوعي الفرنسي سنة 1970م وذلك لانتقاداته المستمرة للاتحاد السوفياتي، وفي نفس السنة أسس مركز الدراسات والبحوث الماركسية وبقي مديرا له لمدة عشر سنوات.

اعتناقه للإسلام

وبما أنه كان عضواً في الحوار المسيحي-الشيوعي في الستينيات، فقد وجد نفسه منجذباً للدين وحاول أن يجمع الكاثوليكية مع الشيوعية خلال عقد السبعينيات. وبدأ يميل إلى الإسلام في هذه الفترة.

في 2 يوليو 1982 أشهر جارودي إسلامه، في المركز الإسلامي في جنيف، وكتب بالمناسبة كتابيه "وعود الإسلام" و"الإسلام يسكن مستقبلنا". عرف الجمهور العربي والإسلامي جارودي لأول مرة بهذه المناسبة، فسطع نجمه في المؤتمرات والندوات وضيفاً في المنتديات، لكنه ضل عصيا على الاحتواء والاستحواذ، فأثار بذلك امتعاض وابتعاد الكثير من الدوائر الإسلامية عندما انتقد بشدة تيارات الفكر الإسلامي المعاصرة، معلناً أنه لم يتخل باعتناقه الإسلام عن جوهر المسيحية وكُنْه الماركسية.

وسبب إسلامه يعود إلى تاريخ 1941 عندما كان سجيناً في الجزائر من قبل النازية الألمان ،وكان برفقة 500 مناضل قاموا بعصيان في السجن ،فأمر قائد السجن حاملي الرشاشات (وقد كانوا من الجزائريين المسلمين) أن يطلقوا النار على السجناء ،فرفضوا..ولم يفهم روجيه وقتها سبب رفضهم،وبعد فترة علم من قائد جزائري مسلم أنّ{شرف المحارب المسلم يمنعه أن يطلق النار على انسان أعزل}.. يقول:كان هذا التصرّف أول مرّة أتعرف فيها على الإسلام وعلّمني أكثر من الذي تعلمته في جامعة السوربون.. ويقول:لم أُسْلِم بمحض الصدفة بل بعد معاناة وبحث ورحلة طويلة.

وعود الإسلام كما رآها جارودي


رأى جارودي في الإسلام بديلا عن الحضارة الغربية بما يحمله من رؤى وإمكانات روحية ومادية، وهي التي أطلق عليها " وعود الإسلام"، وصاغها في كتاب مستقل اتخذ ذات الاسم بعيد فترة قصيرة من إسلامه، ونال عنه جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1985.

التوحيد والحرية

أولى وعود الإسلام يجدها جارودي في مفهوم التوحيد، ذلك المفهوم المركزي الحاكم في الإسلام الذي ينظم الأشياء ويربطها فلا ترى منفصلة عن بعضها البعض ولا كثنائيات متضادة؛ ففي الإسلام “العلم متصل بالدين، والعمل مرتبط بالإيمان، والفلسفة مستوحاة من النبوة، والنبوة متصلة بالعقل، والأرض غير بعيدة عن السماء، والسماء على اتصال بالأرض، والتقدم الحضاري يسير صعدا نحو الله”.

وقال إن مفهوم التوحيد يشكلُ حجر الأساس لمسئولية الإنسان وحريته وإرادته، خلافا لما يُشاع من أنه يؤسس للإذعان والتسليم، فإذا كانت الحيوانات والنباتات والجمادات موحدة بمعنى من المعاني، فذلك بحكم قانون التسليم الذي يحكمها وليس بفعل خياراتها وإرادتها الحرة، أما الإنسان فهو وحده القادر على أن يصبح مسلماً بالاختيار، وهو مسئول مسئولية تامة بما يمتلكه من إرادة الرفض، وبموجب مبدأ الاستخلاف، فالإنسان خليفة لله والخليفة ليس منفذاً قدرياً لا يملك من أمره شيئا، إنما هو مسئول ومكلف عن فعاله وخياراته.

العلم والمعنى

أكد أن الإسلام ليس به جدار بين العلم والحكمة، فلا يتم التغافل عن الغاية والمعنى من وراء العلم كما هو الحال في العلم الغربي، ولا تُدرس الأشياء وعلاقاتها والظواهر وقوانينها بمعزل عن الكل الذي يضفي عليها المعنى، وعلى ضوء هذا الفهم غدا المسجد/المدرسة نقطة الانطلاق ومركزا لتعليم العلوم الدينية جنبا إلى جنب مع العلوم العقلية والتجريبية، حيث تآلفت واندمجت جميع العلوم في وحدة واحدة.

ويلفت جارودي إلى أن تأكيد علماء المسلمين على تسامي العلم باعتباره عند الله تعالى يعني أمران: أن العلم يحمل غايات أسمى وأنبل من غايات أي إنسان أو أي مجتمع بشري. وأن هنالك استعمال آخر للعقل غير الاستعمال الذي ينحدر من سبب إلى سبب، ومن سبب إلى نتيجة، عقل يصعد من غاية إلى غاية، ومن غايات ثانوية تابعة إلى غايات أسمى دون أن يبلغ قط التوحيد الأسمى الذي يحيط بسائر الأمور، وهو ما يجعل الادعاء بقدرة العلم على الاحاطة وتفسير كل جوانب الحياة محض زعم وافتراء.

الفن والتجريد

بُعد آخر استرعى انتباه جارودي واعتبره أحد وعود الإسلام ألا وهو الفن، والفن في الإسلام ليس كنظيره الغربي مجرد عن القيمة والمعنى وإنما هو يعبر عن تجربة روحية للفنان المسلم، وهو ليس مجرد زخارف ونقوش مجردة وإنما هو رؤية كلية للعالم توحي له بغايته وبموضوعاته، وحسبما يعتقد جارودي فإن “جميع الفنون تؤدي إلى المسجد، والمسجد يحمل على الصلاة، …وهو نقطة الالتقاء لجميع الفنون” وبنية المسجد تعبر عن أهم مميزات الفن الإسلامي وهو “الحيز الفارغ” والتجريد فالمحراب لا يأوي أي أيقونات أو تماثيل، الأمر الذي يحمل على الشعور أن الله حاضر وموجود في كل مكان دون أن يُرى بالأعين، وهذا الفراغ نابع من جوهر العقيدة الإسلامية التي ترفض التجسيد، فالله سبحانه وتعالى لا يمكن التعبير عنه وتجسيده من خلال أي مجاز دنيوي، ولذلك فالزخرفة الوحيدة المسموح بها داخل المسجد هي أشكال هندسية متكررة ومتشابكة إلى ما لا نهاية ترمز إلى امتداد روح الله وحضوره السرمدي.

اضافة تعليق