أيهما يسبق صاحبه العقل أم اللسان؟.. كلمات تسيطر على مخيلتك كيف تتق شرها؟

الإثنين، 30 أبريل 2018 11:08 ص
أيهما يسبق صاحبه العقل أم اللسان

لم يخلق الله سبحانه وتعالى هذا اللسان الذي يكب صاحبه في الجنة أو النار، عبثاً، بل جعل أمره عظيمٌا، فإنه طريقٌ إلى روح وريحان، أو إلى دركات الجحيم والنيران، فإذا استقام لله جل وعلا استقامت من بعده جوارح الإنسان، وإذا حركه قلبٌ يخاف الله ويخشاه لم تسمع منه إلا طيباً، وإذا أُطلق له العنان هوى صاحبه في دركات الجحيم والنيران.. فلكلمة خفيفة على اللسان، سهلة النطق والجريان، ولكن لها قيمة في نظر العقلاء وفي نظر الشارع الحكيم.

ويقول الله عز وجل: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]. وقال تعالي: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾ [النور: 24، 25].

والكلمة في الإسلام ليست حركات يؤديها المرء دون شعور يتبعها بل إن الانضباط في الكلمة سمة من سمات المؤمنين الصادقين، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ [المؤمنون: 1 - 3].

ويظهر لنا قيمة الكلمة بأنها وسيلة البيان، والسبيل لإعلاء كلمة الحق وهي السبيل لرد الباطل و كسب القلوب و السبيل للدفاع عن النفس.

قال الله عز وجل: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78، 79].

 وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ). رواه مسلم.

كما أن الكلمة هي البريد إلى القلب والعقل، وسبيل الوصول إلى الإقناع والتفاهم، فالكلام أسيرك.. فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره.

العقل واللسان

ولعل قصة الكاتبة والناشطة الشهيرة هيلين كيلر تكشف بوجهة أخرى أثر الكلمة، وسبقها على العقل، فكانت كيلر صماء عمياء، ولم تكن في طفولتها تدرك أي شيء عن الدنيا، وكانت معلمتها تكتب لها أسماء بعض الأشياء على يديها، بطريقة يفهمها المكفوفون، وبدلاً من أن تنطق لها اسم الشيء، كانت تجعلها تلمسه وتعبر عنه بالكتابة، لأنها لا تسمع ولا تتكلم.

وظلت محاولات المعلمة في تعليم هيلين كيف تدرك وتكتب فاشلةً، حتى جاء يوم وذهبت كيلر مع معلمتها لتملأ إبريقاً بالمياه من بئر، فانسكبت المياه على يديها، فانفعلت وقبضت على يدَي معلمتها، وحركت أناملها لتكتب لها "water - ماء" بالطريقة التي طالما علمتها إياها المعلمة، فتقول هيلين عن هذا الموقف: أيقظت تلك الكلمة الحية (WATER) روحي، ومنحتها النور والأمل والسرور وحررتها، لقد غادرت مكان البئر بشغف شديد للتعلم، وقد أصبح لكل شيء اسم، وكل اسم من هذه الأسماء ولّد فكرة جديدة.

ومن كلمات هيلين، نشأت النظرية التي تقول إن اللغة هي التي تصنع تفكيرنا، أي أنها ليست فقط وسيلة للتعبير، وإنما صانعة لما يدور بداخلنا، وإن ما نتكلم به هو تفكيرنا نفسه، حتى ونحن نفكر في صمت، نتكلم بلغتنا داخل أذهاننا، وإن إنساناً بلا لغة هو كائن بلا إدراك.

وبالتالي، فإن تفكيرنا وتمايزنا كأشخاص ومجموعات ومجتمعات يتوقف على ما نكلم به الناس أو نكلم به أنفسنا. فكيف يحدث ذلك؟ وما صحته من الناحية التشريحية والعصبية؟ وما تأثيره على سعادتنا وتعاستنا، وعلى نجاحنا وفشلنا؟

يقول توماس سكوفل في كتابه "علم اللغة النفسي" أن مركزَي اللغة في دماغ الإنسان هما (wernicke، broca) ويوجدان فوق الأذن اليسرى. وإذا ما تأثر الدماغ بجلطة أو حادث اصطدام شديد أو غيرهما، بالقرب من المركزين أو فيهما، فقد يصاب الإنسان بما يعرف بـ"حبسة ورنيك - aphasia wernicke"، ويصل المصاب إلى عدم القدرة على فهم الأشياء، فيتكلم بشكل يبدو طبيعياً متماسكاً، ولكنه كلام غير متزن، ويبدو صاحبه وكأنه شارد تائه، ولا يقصد ما يقول.

وقد يصاب بما يعرف بـ"حبسة بروكا – broca aphasia". حينذاك تجد لدى الشخص بطئاً شديداً وتردداً قبل الكلام وثقلاً في اللسان، إذ يستخدم الأسماء بدلاً من الأفعال، ولا يستطيع الربط بين الجمل، بسبب بطء فهمه للأشياء أيضاً، إلا أن فهمه في هذه الحالة "رغم تأثره" لا يقارن بما يحدث عند الإصابة بـ"حبسة ورنيك" التي يقل فيها الفهم بدرجة أكبر بكثير، يقول سكوفل.

كيف نفكر بأفواهنا؟

ربما تسبق الكلمة العقل والتفكير والمنطق، فمثلا ربما تجد كلمة "الثأر" ذات خصوصية شديدة في مجتمعنا العربي، وتنتشر في بعض مجتمعاتنا، وبسببها تراق دماء الآلاف بمعزل عن احترام القانون.

يقول المفكر المصري سلامة موسى في كتابه "دراسات سيكولوجية"، إن كلمات مثل الدم والعِرض والثأر قد أصبحت أسلوباً للاغتيال والقتل في صعيد مصر، وكان يمكن لهذه الجرائم أن تقل بل تزول "إذا ما توقف الناس عن ترديد مثل هذه الكلمات".

علماً أن محافظة أسيوط المصرية وحدها، شهدت سقوط 11 ألفاً و140 شخصاً، بين قتيل وجريح، خلال 20 عاماً فقط، بحسب إحصائية لمصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية المصرية، أكدت أيضاً أن في تلك المحافظة وحدها 120 خصومة ثأرية.

وورث العرب عن أجدادهم عبارات مثل: "الثأر نقطة دم لا تتعفن ولا تسوس"، "الآخذ بثأر أبيه بعد أربعين سنة مستعجل". ويتداولون قصصاً كقصة قيس بن الخطيم، الشاعر العربي القديم، الذي يفتخر بأخذه بالثأر من قاتل أبيه، ويتلذذ بطعنته له:

طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر     لها نفذ لولا الشعاع أضاءها

ملكى بها كفي فانهرب فتقها         يرى قائما من خلفها ما وراءها


وأيضا كلمة "الشرف" ترتبط في أذهان الكثيرين بالعفة الجنسية فقط، رغم معانيها واستخداماتها المختلفة في اللغة العربية أو اللغات الأخرى، ويوظف البعض أشعاراً كالتي قالها المتنبي (لا يَسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى ... حتى يُراق على جوانبه الدم) لقتل من ينتهك هذا الشرف.

وبسبب ذلك، راجت "جرائم الشرف"، التي يرتكبها أهل السيدة أو الفتاة بحقها، بزعم تطهير أنفسهم من الدنس الذي طالهم منها، نتيجة سلوكها الجنسي المنحرف، رغم أن إحصاءات أكدت أن الكثيرات من الفتيات قتلن دون بينة أو دليل على ارتكابهن أية جريمة جنسية.

وهناك كلمة  "القانون" كلمة تبدو محترمة، ولكنها منبوذة بين الكثيرين في مجتمعاتنا العربية، على عكس مجتمعات أخرى، وما يدل على ذلك تراجع الدول العربية على مؤشر احترام القانون وغياب بعضها عنه، على مدار سنوات مختلفة، وآخرها مؤشر "2017-2018"، الذي جاءت فيه مصر، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، في المركز 110، من أصل 113 دولة يرصدها المؤشر حول العالم، لكن الإمارات العربية حصلت على ترتيب متقدم نسبياً باحتلالها المركز 32.

ليظل السؤال كيف تجعل من الكلمة نورا وبرهانا لك لا عليك، وكيف تطوع كلماتك لخدمة دينك وحياتك وحياة الآخرين معك، قبل أن تتغلب عليك الكلمة في طريق أخر ربنا تدفع ثمنه من حياتك وعقلك وأخرتك.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم  حينما أخذ بِلِسَانِ معاذ بن جبل وقال "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ".

اضافة تعليق