أخلاقك.. بطاقة هويتك

السبت، 28 أبريل 2018 01:31 م
د. عمرو خالد
د. عمرو خالد

كما أن لكل بلد جنسية وجواز سفر وانتماء وهوية، كذلك فإن شعور الإنسان بهويته وانتمائه للإنسانية مرتبط بالأخلاق.. فالأخلاق هي جواز سفرك وانتماؤك للإنسانية.. فكلما حسنت أخلاقك سينمو بداخلك أنك منتم للإنسانية، وتشعر من داخلك إنك بالفعل إنسان، وهذا شعور نفسي هام وأساسي يحقق السكينة الداخلية لكل إنسان.. والعكس فكلما ساءت أخلاقك شعرت بوحشه وغربه عن الإنسانية كمن لايملك هوية أو جنسية..

تخيل كيف يشعر بالغربة والوحشة من هو بلاوطن، إنها حالة نفسية قاسية ومؤلمة بل ومدمرة تجعل من يشعر بها أنه ليس من بني الإنسان وإنما أقرب للحيوان.. وهو ما عبر عنه القرآن فيم ساءت أخلاقهم " لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ"، فالإنسانية والأخلاق أوجدهما الله في النفس معًا عند خلقها. 

الحيوان عاجز عن أن يتعرف على الماضي، لأن ذاكرته محدودة في الزمان فهي لاتحتفظ بصور بصرية أو سمعية لمدة طويلة. ومن هنا فإن "الزمان" الذي يعيش فيه الحيوان ضيق، لدرجة أنه لايكاد يمتد إلى الأمام أو إلى الوراء إلا بقدر بسيط جدًا فقط ليحفظ حياته وطعامه.

وحتى حين "يعمل" الحيوان من أجل "المستقبل" فإنه لايملك في ذهنه أي تصور حقيقي للمستقبل، كما أنه حينما يتأثر في سلوكه بأحداث الماضي فإنه لا يملك في ذهنه أيضًا أية صورة حقيقية عن الماضي بل أن آثار التجارب السابقة قد تتردد في نشاطه الحاضر، دون أن يكون هناك " تصور" متكامل واضح فالأسماك والطيور تهاجر من منطقة إلى منطقة مهما كانت بعيدة دون إدراك للماضي أو المستقبل. 

ولذلك فإن الحيوان لايعرف معنى كلمة الأخلاق – بمعناها الحقيقي – لأنه لايستطيع أن يكون له أي موقف أوصورة ذهنية صحيحة ينتزعها من خبراته السابقة.. فإذا وصلت إنك ليس لديك صورة ذهنية عن الأخلاق ولاتملك قدرة على الاستفادة من أخطاء الماضي لصناعة مستقبل أخلاقي أفضل لك فقد هبطت لمستوى الحيوان.

الأخلاق هي مجموع أفعال الإنسان في الحياة فكل تصرف للإنسان في الحياة يعكس اختيارًا أخلاقيًا في موقف معين.. ومن مجموع هذه المواقف تكون قصة حياة الإنسان، فتاريخ الإنسان هو تاريخ أخلاقه فمن كان بلاأخلاق كأنه بلا تاريخ أو قصة حياة.. فهو كمن لايعرف نسبه أو كمن فقد ذاكرته. فمن أخلاقك تكتب قصة حياتك.. فهل قصة حياتك هي قصة أخلاقية أم لا؟؟

وحدة الأصل اللغوي لكلمة " الخَلق" بفتح الخاء وكلمة "الخُلق" بضم الخاء لها دلالة هامة ومؤثرة.. فخُلقك وخَلقك وجهان لعملة واحدة.. وبواحدة دون الأخرى لايكتمل كيانك.. لذلك قال النبي: "الله كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي"، فلامعنى لكيانك كإنسان إلا بالاثنين معًا. ضرورة الخُلق للإنسان كضرورة خَلقه سواء بسواء فلاإنسانية بغير أخلاق. كلمتي "خَلق" و"خُلق"، يجمعهما أن أحدهما من الله والأخرى بالله.. فقد ربط الله نشأة الخلق بالأخلاق من خلال وحدة مصدر الكلمة.

لم نجد اتفاقًا بين البشر على اختلاف أجناسهم مثل اتفاقهم على الأخلاق، هي التي كانت من أجلها الأديان، وإليها بعث الرسل، واشتملت عليها كتابات الحكماء، باعتبارها ضرورة إنسانية لايمكن بأي حال أن تتجرد منها البشرية، وإلا أصبحت مثل الغابة لا ضابط لها ولا قانون يحكمها.

قال صلى الله عليه وسلم: "حسن الخُلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار"ـ "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم". سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "أيُّ الإيمان أفضل؟ قال: حسن الخلق".

السيد المسيح يرى الأخلاق هي ثمرة حياة الإنسان، فيقول: "الشجرة الصالحة تثمر ثمرًا جيدًا والشجرة الفاسدة تثمر ثمرًا رديئًا.. ولا تستطيع شجرة صالحة أن تثمر ثمرًا رديئًا ولا شجرة فاسدة أن تثمر ثمرًا جيدًا.. وكل شجرة لا تثمر ثمرًا جيدًا تقطع وتلقى في النار فمن ثمارهم تعرفونهم".

وإلى هذه المعاني أشار الحكماء والفلاسفة.. فيقول "كانط": "شيئان دائمًا يبعثان في النفس الإعجاب والروعة : السماء المرصعة بالنجوم من فوقي، والقانون الخلقي في باطني"، "إن الحضارات لاتموت قتلاً ولكن تموت انتحارًا بانهيار القيم والأخلاق فيها".

الأخلاق هي همزة الوصل بين العالم والإنسان.. الأخلاق احتياج يتجدد يومًا بعد يوم ليوقظ ضمير العالم من كل نقص وفساد.. ولولا الأخلاق لمات ضمير العالم. وإنما يكون نصيبك من مشاعر الإنسانية على قدر أخلاقك.

وتحتل الأخلاق الصدارة في برنامج حزب العمال البريطاني، فهو يقول إن "الأخلاق أهم من الاقتصاد والسياسة.. لأن الأخلاق هي البنية التحتية لنجاح أي مجتمع في كل مجالات الحياة".

والحقيقة أنه في كل حكم شرعي أمر به الإسلام، إنما يهدف إلى تحقيق قيمة خلقية أو جمالية في الإنسان "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ"، فالأخلاق في مجملها هي أجمل الثياب وأغلى العطور وأنفس الجواهر التي يتزين بها الإنسان، تجعله يحظى باحترام من حوله، وقبل كل شيء رضا الخالق، لأنك حين تتأمر بأوامره، ولاتفعل ما تغضبه، تكون طائعًا له، فيحبك الله وتنادي ملائكته في أهل الأرض أن الله يحب فلانًا.. فأحبوه.. فيزرع محبته في قلوب الخلق.

اضافة تعليق