التوحيد والتوكل.. إذا كان الله معك فمن عليك؟

السبت، 28 أبريل 2018 10:39 ص
التوحيد-والتوكل
تعبيرية

التوحيد طريق النجاة الوحيد، والعبور بسلام من الدنيا إلى الدار الآخرة، هو مفتاح دعوة كل الرسل، فما من نبي إلا ودعاء إلى توحيد الله، والإيمان به وحده، فرد صمد، منزه عن كل شريك، وهو الركن الأول من أركان الإسلام، فلا إيمان بدون توحيد.

قال تعالى: { لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ }(النحل:36). وقال تعالى: { قَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ }(الأعراف:59)، وقال هود لقومه: { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } (الأعراف:65) وقال صالح لقومه: { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (الأعراف:73)، وقال شعيب لقومه: { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } (الأعراف:85 ).

والتوحيد أول واجب على العباد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله" رواه البخاري.

ولا أدلّ على أهمية التوحيد وعلو مكانته، من اهتمام القرآن به، حتى قال بعض العلماء: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، ومنها قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(آل عمران: 18). قال ابن القيم في "مدارج السالكين": " فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع هذه الطوائف، والشهادة ببطلان أقوالهم ومذاهبهم".

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(إبراهيم:24) قال ابن عباس: {كلمة طيبة }، "شهادة أن لا إله إلا الله، { كشجرة طيبة} وهو المؤمن، { أصلها ثابت }، يقول: لا إله إلا الله، ثابت في قلب المؤمن، وفرعها في السماء، يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.

ومن الأحاديث أيضًا، قوله صلى الله عليه وسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، وقوله أيضًا: "يا أبا هريرة اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنًا بها قلبه ، فبشره بالجنة"، كما قال: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة"، وأيضًا: "خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له . له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".

فالله دائمًا فعال لما يريد.. "وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ"، مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، فمن يتدبر هذه المعاني يجد فيها سكينة مطلقة وراحة بال ليس لها آخر، لأنه سيتأكد أن علاقته مع جهة واحدة تدبر أمره ويتوكل عليها، لأن مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ : كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ.

مشاعر الموحد دائمًا رائعة، لأن علاقته مع الله لا تحتاج بيان أو وسيط، بعض التابعين كان يقول: الحمد لله على وجود الله.. فهو موجود ويعلم كل شئ، "ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ"، و"اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ".

وقال هود عليه السلام: "مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، فحينما تأتي "على" مع لفظ الجلالة، يعني أن الله عز وجل ألزم ذاته العلية بأن يكون مع خلقه مستقيما.

فهو الوكيل الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم، وهو وكيل المؤمنين، لقوله تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ"، وفي الدنيا كلما كان المحامي أكثر خبرة مع القضاة يرتاح الموكل، فالراحة تأتي من قوة المحامي، فماذا لو كان المحامي خالق السموات والأرض؟

إذن هو سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين لأنهم اعتقدوا في حوله وقوته، يقولون دائمًا: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، يعني لا حول على معصية الله إلا بالله ولا قوة على طاعته إلا به، فالمؤمنون في معية الله دائما لأنهم خرجوا من قوتهم وحولهم وآمنوا بكمال قوته وأيقنوا أن لا قوة إلا بالله فلجأوا إليه سبحانه في جميع أمورهم، وكان بعض التابعين يقول: "دبر ألا تدبر".. يعني الله إذا تولاك فمن يستطيع في الأرض أن ينال منك إذا كان الله معك فمن عليك؟.

قال تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ".. توكل وليس تواكل الكسالى.. كما روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سمع عن البعض لا يعمل فذهب إليهم وقال من أنتم فقالوا نحن المتوكلون، فقال كذبتم بل أنتم المتواكلون.

ويقول الله عز وجل في وصف المؤمنين، "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"، ويقول في موضع آخر موجها حديثه للنبي الكريم"، وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا"، ويقول أيضًا: "رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا".

فالإنسان إذا كان يعصي الله فمعصيته حجاب بينه وبين الله.. بينما الموحد الصادق في التوكل على الله هو المستقيم على أمر الله، وابن القيم رحمه الله تعالى، يقول: " التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة. والتوكل متعلق بكل أمور العبد ..... أما أن العبد يوكل ربه فنعم بتفويضه إليه وعزل نفسه عن التصرف ، لهذا قيل في التوكل أنه عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية".

ويقول الله عز وجل: " قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"، ويقول أيضًا: " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ"، وقوله: " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"، فهل من المعقول أن يستوي عند الله المحسن والمسيء.. بالطبع مستحيل.

اضافة تعليق