الحسد.. من أمراض القلوب.. هكذا نتوخاه

السبت، 28 أبريل 2018 10:01 ص
إياك-والحسد
تعبيرية

الحسد.. من أسوأ أمراض القلوب، حيث يتمنى الحاسد زوال النفع والخير من عند المحسود أي كراهية الحاسد نعمة الله على أخيه وحبه لزوالها عنه والحق هو أن الحسد كراهية للمحسود سببها هو فضل الله الذي أعطاه للمحسود أي كراهية لمن عنده النعمة وليست كراهية للنعمة. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ حَسْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ )).

وقد ورد ذكر الحسد في القرآن في عدة مواضع هي: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.. [البقرة : 109]، وهذا القول يعنى أن عدد كبير من أهل الكتاب اليهود والنصارى أحبوا أن يعيدوا المسلمين بعد إسلامهم إلى الكفر والسبب هو الحسد عند أنفسهم وهو الكراهية في أنفسهم.

وأيضًا في قوله تعالى: "وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)" سورة الفلق، أي من أذى أي كاره أو أي باغض أو حاقد.

وقوله: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا"، سورة النساء، وفيها يبين الله لنا أن أهل الكتاب يحسدون أي يكرهون الناس وهم المسلمين والسبب ما أتاهم الله من فضله وهو رحمته.

والحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود وهو نوعان‏:‏
أحدهما‏:‏ كراهة للنعمة عليه مطلقاً، فهذا هو الحسد المذموم، وإذا أبغض ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه، فيكون ذلك مرضاً في قلبه، ويسعد بزوال النعمة عنه، وإن لم يحصل له نفع بزوالها، لكن نفعه زوال الألم الذي كان في نفسه، ولكن ذلك الألم لم يزل إلا بمباشرة منه، وهو راحة، وأشده كالمريض الذي عولج بما يسكن وجعه والمرض باق؛ فإن بغضه لنعمة اللّه على عبده مرض‏.

فإن تلك النعمة قد تعود على المحسود وأعظم منها، وقد يحصل نظير تلك النعمة لنظير ذلك المحسود‏.

والحاسد ليس له غرض في شيء معين، لكن نفسه تكره ما أنعم به على النوع؛ ولهذا قال من قال‏:‏ إنه تمنى زوال النعمة، فإن من كره النعمة على غيره تمنى زوالها بقلبه‏.

والنوع الثاني‏:‏ أن يكره فضل ذلك الشخص عليه، فيحب أن يكون مثله أو أفضل منه، فهذا حسد وهو الذي سموه الغبطة، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حسداً في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود وابن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال‏:‏ ‏"لا حسد إلا في اثنتين‏:‏ رجل أتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الحق‏"‏‏ هذا لفظ ابن مسعود، ولفظ ابن عمر‏:‏ ‏‏"رجل آتاه اللّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه اللّه مالاً فهو ينفق منه في الحق آناء الليل والنهار"‏‏‏ رواه البخاري من حديث أبي هريرة ولفظه‏:‏ ‏‏"لا حسد إلا في اثنين‏:‏ رجل آتاه اللّه القرآن فهو يتلوه الليل والنهار، فسمعه رجل فقال‏:‏ يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي هذا، فعملت فيه مثل ما يعمل هذا، ورجل آتاه اللّه مالا فهو يهلكه في الحق‏.‏ فقال رجل‏:‏ يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي هذا فعملت فيه مثل ما يعمل هذا"‏‏‏.‏

ونافس عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، أبا بكر رضي اللّه عنه، الإنفاق كما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال‏:‏ أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر أن سبقته يوماً‏.‏ قال فجئت بنصف مالي، قال‏:‏ فقال لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏‏"ما أبقيت لأهلك‏؟‏‏‏ قلت‏:‏ مثله، وأتى أبو بكر رضي اللّه عنه بكل ما عنده، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ما أبقيت لأهلك‏؟‏‏‏ قال‏:‏ أبقيت لهم اللّه ورسوله" فقلت‏:‏ لا أسابقك إلى شيء أبداً‏.

وكذلك موسى صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج حصل له منافسة وغبطة للنبي صلى الله عليه وسلم حتى بكى لما تجاوزه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له‏ " ما يبكيك‏:‏ فقال‏:‏ ‏‏أبكي، لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي"‏‏، أخرجاه في الصحيحين، وروى في بعض الألفاظ المروية غير الصحيح‏:‏"مررنا على رجل وهو يقول ويرفع صوته‏:‏ أكرمته وفضلته، قال‏:‏ فرفعناه إليه فسلمنا عليه فرد السلام، فقال‏:‏ من هذا معك يا جبريل ‏؟‏ قال‏:‏ هذا أحمد، قال‏:‏ مرحباً بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، قال‏:‏ ثم اندفعنا فقلت‏:‏ من هذا يا جبريل ‏؟‏ قال‏:‏ هذا موسى بن عمران، قلت‏:‏ ومن يعاتب ‏؟‏ قال‏:‏ يعاتب ربه فيك، قلت‏:‏ ويرفع صوته على ربه‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ إن اللّه عز وجل قد عرف صدقه‏"‏‏‏.

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ كنا يوماً جلوساً عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏‏يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة‏‏، قال‏:‏ فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوء، قد علق نعليه في يده الشمال، فسلم، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله، فلما كان اليوم الثالث، قال النبي صلى الله عليه وسلم مقالته فطلع ذلك الرجل على مثل حاله، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اتبعه عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه فقال‏:‏ إني لاحيت أبى، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت‏.‏ قال‏:‏ نعم، قال أنس رضي اللّه عنه‏:‏ فكان عبد اللّه يحدث أنه بات عنده ثلاث ليال، فلم يره يقوم من الليل شيئاً، غير أنه إذا تعار انقلب على فراشه ذكر اللّه عز وجل وكبر حتى يقوم إلى صلاة الفجر، فقال عبد اللّه‏:‏ غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما فرغنا من الثلاث وكدت أن أحقر عمله قلت‏:‏ يا عبد اللّه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مرات‏:‏ ‏‏يطلع عليكم رجل من أهل الجنة‏، فطلعت أنت الثلاث مرات، فأردت أن آوى إليك لأنظر ما عملك، فأقتدى بذلك، فلم أرَك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ قال‏:‏ ما هو إلا ما رأيت، غير أنني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشاً ولا حسداً على خير أعطاه اللّه إياه‏.‏ قال عبد اللّه‏:‏ هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق"‏‏.‏ في إشارة إلى خلوه وسلامته من جميع أنواع الحسد‏‏.

اضافة تعليق