صوفية الجزائر.. من نشر الإسلام بالخارج لمحاربة الاستعمار

الجمعة، 27 أبريل 2018 09:54 ص
الزوايا-والطرق-الصوفية-في-الجزائر
إحدى حلقات الذكر الصوفي بالجزائر

ينتمي عدد كبير من الجزائريين في تدينهم إلى الصوفية، وتنشط في الجزائر كثير من الطرق الصوفية تجاوزت الثلاثين طريقة، كما تعد الجزائر من أهم مراكز الصوفية في العالم الإسلامي، وتمثل الزوايا المقر الرئيسي لهذه الطرق.

وتشتهر الجزائر بأنها إحدى البلدان العربية التي تعرف انتشاراً واسعاً للزوايا أو المدارس الدينية الصوفية. ويزيد العدد عن 1600 زاوية، أشهرها زوايا سيدي أحمد التيجاني، والزاوية البلقايدية، والطريقة القادرية.

ويواصل عدد كبير من الجزائريين تمسكهم بالزوايا أو المدارس القرآنية، ذات التوجه الصوفي، إلى درجة أن أشهر الأغاني في الجزائر تتغنى بمشايخ الطرق الصوفية مثل أغنية "عبد القادر يا بوعلام "، التي قدمها الشاب خالد، إلى جانب أغنيتي "سيدي الهواري" و"سيدي بومدين" وغيرها.

ويقول الباحث عبد البصير بن علي من جامعة وهران، إن "الزوايا تصنف في الجزائر إلى صنفين: زوايا رئيسية وفروع للزوايا، ويبلغ مجموعها ككل نحو 1600 زاوية"، وتوجد عدة زوايا تمثل اتجاهات طرق صوفية مثل الطريقة القادرية المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، والطريقة التيجانية نسبة إلى سيدي أحمد التيجاني، وطرق أخرى يبلغ عددها 14 طريقة منها البلقايدية، والمصطفاوية، والرحمانية، والهبرية، والشاذلية، ولكل طريقة مقر رئيسي ومجموعة كبيرة من الفروع.

ووفق الباحث فإن أغلب الزوايا تدرس القرآن الكريم للأطفال، وعدد منها تخصص في تدريس علوم الشريعة والفقه، والآن يمكننا القول إن أغلب الأئمة في المساجد الجزائرية درسوا في زوايا ومحاضر دينية.

القادرية أو الجيلانية "أقدم طريقة"

 

وتسمى أحياناً بالطريقة الجيلانية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، ويقال له "بوعلام الجيلانى" في المغرب العربي، تمييزاً له عن المشرق الذي يعرفه باسم "عبد القادر الجيلاني". وهو الذي يتغنى به الشاب خالد فى أغنيته "عبد القادر" وأصل الكلمات للشاعر الجزائري عبد القادر بطبجي.

الطريقة القادرية هى أكبر وأقدم طريقة في الجزائر طبقاً للدكتور صلاح مؤيد العقبي في كتابه "الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر .. تاريخها ونشاطها"، انتشرت في المغرب العربي والجزائر خاصة عن طريق "أبي مدين شعيب" الذي كان صديق عبد القادر الجيلاني ونقل عنه طريقته.

ولها تواجد في الجنوب الجزائري، كما أن شيخ مشايخ الطريقة القادرية في إفريقيا يسكن في الجزائر بمدينة ورقلة وللطريقة زاوية كبرى فى مدينة بسكرة.

تتواجد أبرز زواياها في مناطق زمورة، والشلف، وتيارت، والوادي، ورقلة، والأوراس، وكانت الطريقة تساعد الشباب على استكمال دراستهم في معاهد طرابلس والقيروان وجامع الزيتونة والقرويين والأزهر، على نفقتها.

كما كان لها دور في مقاومة التبشير المسيحي كعادة الفرق الصوفية في هذا الوقت.

الطريقة الشاذلية

تنسب إلى الصوفي الشهير أبي الحسن الشاذلي، وتعتبر طريقته إلى جانب القادرية من أقدم الطرق الصوفية انتشاراً بالجزائر، وهي من الطرق الأولى التى أدخلت التصوف إلى منطقة المغرب ككل.

والشاذلية تمتاز باعتدال منهجها واستطاعت أن تجتذب إليها الكثير من العلماء، لأنها "ليست بالطريقة الرهبانية ولا بأكل الشعير ولا النخالة" كما قال عنها الشاذلي نفسه كما يذكر العقبي فى كتابه.

وقد عرف عن الشاذلي أنه لم يكن متشدداً ولا متزمتاً فى ملبسه ومأكله ومشربه، بل كان يلبس الفاخر من الثياب، ويتخذ من الخيل أجودها لأنه كان يحبها ويقتنيها ويركبها فارساً في المواسم الدينية.

والشاذلية كانت الطريقة الأم التي تفرعت عنها عدة طرق شهيرة في الجزائر، أشهرها الفرع الدرقاوي ومنه الطريقة العلوية التى انتشرت بكثرة ولها مريدين في فرنسا وكثير من الدول الأوروبية وينتمي إليها الكثير من الفلاسفة الذين أسلموا.

الطريقة الرحمانية

تفرعت عن الطريقة الخلوتية، وتنسب إلى مؤسسها محمد بن عبد الرحمن الإدريسي الأزهري، المولود في جبال جرجرة بمنطقة تيزي وزو في وسط الجزائر.
تتلمذ شيخها على يد فقهاء مثل حسن الجداوي وعمر الطحلاوي ومحمد بن سالم الحفناوي من أعلام الطريقة الخلوتية، ومنها اتخذ الأزهري طريقته ونشرها، لكنها سميت فيما بعده بـ"الرحمانية".

لقيت الطريقة الرحمانية انتشاراً واسعاً في الجزائر، وأغلب أتباعها من الطبقات الشعبية التي تعاني التهميش الاجتماعي، من الفلاحين والعمال وصغار التجار.
قد بلغ عدد زواياها 177 زاوية وعدد أتباعها أكثر من 150 ألف مريد في تعداد أجري في عام 1898، كما يذكر العقبي.

وأبرز الزوايا التي تحتضن الرحمانية توجد في الحامة بالجزائر العاصمة، وقد كان لها دور كبير في مقاومة الاحتلال الفرنسي، الذي هدمها مرتين، ولكن أعيد بنائها وتمت توسعتها فى أوائل عام 2018 بتمويل من سلطات ولاية بجاية.

أشهر زاويا الطريقة الرحمانية تقع في الحامة بالجزائر العاصمة، هدمت مرتين بسبب دورها في مقاومة الاحتلال الفرنسي

وفي عام 1989 تم إنشاء الاتحاد الوطني للزوايا الجزائرية لرعاية شؤون الزوايا في الجزائر، وتحديد علاقتها بالسكان والدور الاجتماعي لها، تحت لواء المذهب المالكي لأهل السنة والجماعة والعقيدة الأشعرية.

زاوية سيدي أحمد أويحى

الزاوية لم تنسب لأحمد أويحى رئيس الوزراء الجزائري الحالي الذي يحمل ذلك الاسم، ولكن لسيدي أحمد أويحيى، الذي يعرف أيضاً بأحمد بن يحي أومالو، الإمام الصوفي الذي أسس الزاوية المعروفة باسمه في بدايات القرن الرابع عشر الميلادي في منطقة أومالو في منطقة القبائل الزواوية.

ويعد طلبة الزاوية من الذين لعبوا دوراً في ثورة الجزائر، فقد التحق حوالي 30 طالباً منها بجبهة التحرير الوطني الجزائري وجيش التحرير الوطني في عام 1956م ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر، وتوقف التدريس فيها أثناء اندلاع ثورة 1857م ضد الاستعمار الفرنسي.

قد أدمجت زاوية أويحى ضمن معاهد التعليم في الجزائر عندما وُحّد التعليم فى سبعينيات القرن العشرين، بمساعدة من أساتذة مصريين، لكن فض هذا الاندماج في ما بعد وعادت الزواية لأداء أعمالها الخيرية وتحفيظ القرآن ورعاية طلاب العلم كما كانت.

بجاية مدينة التصوف

تعتبر مدينة بجاية من أكبر المدن الحاضنة للتصوف في الجزائر، ويرجع هذا لحلول كبار المتصوفة بها، فالشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رحل من الأندلس إلى الجزائر وأقام في بجاية فترة قبل أن ينتقل إلى دمشق ليتوفى بها.

كما حلّ الإمام الصوفي الشهير بن سبعين ببجاية مدة واستقر بها بعد أن طرد من سبتة، لينتهي به الحال مستقراً بمكة إلى وفاته.

كما طلب الشيخ الفقيه "الثعالبي" العلم في بجاية، بعد أن رحل من مدينة يسر مسقط رأسه، ولقي في بجاية العديد من أهل العلم، ثم رحل إلى عدة بلدان منها تونس ومصر وتركيا، ليستقر أخيراً بالجزائر العاصمة ويتفرغ للتدريس والتأليف.

الهبرية: طريقة النخبة والعسكريين

وهي طريقة تفرعت عن الطريقة البلقايدية التي تفرعت بدورها عن الشاذلية، وتنسب لمحمد بلقايد الهبري الشريف الحسني الإدريسي، أسسها في تلمسان بغرب الجزائر.

للطريقة بشكل عام جمهور كبير في الجزائر وشمال أفريقيا، وشيخها الحالي هو عبد اللطيف بلقايد نجل محمد بلقايد الهبري.

وقيل إن الرئيس الحالي للجزائر عبد العزيز بوتفليقة ينتسب إلى الطريقة "الهبرية"، بحكم مولده في تلمسان، لكن نور الدين أبي لحية يوضح أنه لا يمكن حسم هذا الأمر، ولا يعرف هل هو من المحبين للطريقة أم من السالكين.

الطريقة التيجانية

تنسب إلى أبي العباس التيجاني، من قبيلة بني توجين الجزائرية، وتعتبر هذه الطريقة من أكثر الطرق زهداً وانقطاعاً عن الدنيا، ويركز مريديها على الاهتمام بحب الرسول محمد والتمسك بتعاليمه ومدحه.

وتنتشر هذه الطريقة أيضاً في ليبيا، ولها زاوية شهيرة في مصر في منطقة إمبابة ويرأسها صلاح التيجاني.

تعقد زاويتها احتفالات سنوية ومؤتمرات كبيرة يحضرها العديد من المثقفين، ولها أيضاً مركز كبير آخر بتماسين وقمار في الجنوب الشرقي وهو من أكبر المراكز الممثلة للتيجانية تاريخياً.

ووفقاً لكتاب "الطرق الصوفية والزوايا في الجزائر" فإن أحد المؤرخين قال: "إن إفريقيا كادت أن تكون كلها مسلمة لولا قضاء فرنسا على سلطة التيجانية".

اضافة تعليق