إدريس عليه السلام.. وَرَفَعْنـهُ مَكَاناً عَلِيّاً

أول من خط بالقلم وعلّم السياسة وبنى المدن

الجمعة، 27 أبريل 2018 09:33 ص
أول-من-خط-بالقلم-وعلّم-السياسة-وبنى-المدن
تعبيرية


سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام.. كان صديقا نبيا ومن الصابرين، قال تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا"، فهو أول نبي بعث في الأرض بعد آدم، وهو أبو جد نوح، أنزلت عليه خمسون صحيفة، ودعا إلى وحدانية الله وآمن به ألف إنسان، وهو أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبسها، وأول من نظر في علم النجوم وسيرها.

هو إدريس بن يارد بن مهلائيل وينتهي نسبه إلى شيث بن آدم عليه السلام واسمه عند العبرانيين (خنوخ) وفي الترجمة العربية (أخنوخ) وهو من أجداد نوح عليه السلام. وهو أول بني آدم أعطي النبوة بعد (آدم) و (شيث) عليهما السلام، وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم، وقد أدرك من حياة آدم عليه السلام 308 سنوات لأن آدم عمر طويلاً زهاء 1000 ألف سنة.

لما اقترب موت سيدنا آدم علية السلام وجاء بأبنه شيث وعلمه علوما كثيرة ثم مات، أنزل الله عز وجل بعد ذلك على شيث خمسين صحيفة فيها تعاليم الله إلى أهل ألارض يدعوهم فيها لعبادتة وحده لا شريك له ويحذرهم فى الوقوع فى الشرك والكفر.

وقد عاش ومات شيث وسط أولاده بعد أن علمهم الإيمان ولما أوشك على الموت أحضر ولده "أنوش" وأوصاه بتكملة الدعوة كما فعل مع أبوه آدم عليه السلام، ثم علم أنوش ولده "قينن" من بعده كيف يدعو الناس إلى الله ثم مهلابيل وكان ملكا مؤمنا ثم ولده "يرد" وكان يدعو الناس للإيمان والعمل الصالح.

وعندما حضرت الوفاه "يرد" أحضر ولده (إدريس)، وكان عابدا صالحا زاهدا ففهم من أبيه ما أراد، وكان إدريس يقرأ كل يوم الصحف التى أنزلها الله على شيث حتى لا ينساها، وكان عابدا لله لا ينقطع أبدا عن عبادة وشكر الله جل وعلا، لذلك أكرمه الله بالنبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام.

وقد أختلف العلماء في مولده ونشأته، فقال بعضهم إن إدريس ولد ببابل، وقال آخرون إنه ولد بمصر والصحيح الأول، وقد أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، ولما كبر آتاه الله النبوة فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة (آدم) و (شيث) فأطاعه نفر قليل، وخالفه جمع غفير، فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك فثقل عليهم الرحيل عن أوطانهم فقالوا له، وأين نجد إذا رحلنا مثل (بابل) فقال إذا هاجرنا رزقنا الله غيره، فخرج وخرجوا حتى وصلوا إلى أرض مصر فرأوا النيل فوقف على النيل وسبح الله.

وأقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الناس إلى الله وإلى مكارم الأخلاق. وكانت له مواعظ وآداب فقد دعا إلى دين الله، وإلى عبادة الخالق جل وعلا، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة، بالعمل الصالح في الدنيا وحض على الزهد في هذه الدنيا الفانية الزائلة، وأمرهم بالصلاة والصيام والزكاة وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة، وحرم المسكر من كل شي من المشروبات وشدد فيه أعظم تشديد وقيل إنه كان في زمانه 72 لساناً يتكلم الناس بها وقد علمه الله تعالى منطقهم جميعاً ليعلم كل فرقة منهم بلسانهم.

وهو أول من علم السياسة المدنية، ورسم لقومه قواعد تمدين المدن، فبنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها وأنشئت في زمانه 188 مدينة وقد اشتهر بالحكمة فمن حكمة قوله (خير الدنيا حسرة، وشرها ندم) وقوله (السعيد من نظر إلى نفسه وشفاعته عند ربه أعماله الصالحة) وقوله (الصبر مع الإيمان يورث الظفر).

وقال طائفة من الناس: إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي، لما سأل رسول الله ﷺ، عن الخط بالرمل فقال: «إنه كان نبي يخط به، فمن وافق خطه فذاك».

وكان إدريس عالما، فكان أول من تعلم مواقع النجوم وعلمها للناس، كما تعلم الفلك والحساب والحکمة، كما کان لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله، فکان يمسي حین یمسی ولیس في الارض أحد أفضل منه عملاً، وکان إذا نسی ذکر الله أثناء خياطته للثوب، يعود مرة أخرى فيقطع ما قد خيطه ويعيد خياطته مرة أخرى، ويذكر الله تعالى من جديد.

ولما كان إدريس على هذه الدرجة العالية من العلم والعبادة فقد أحبه الناس فى كل البلاد، وحاول كل شعب من الشعوب أن ينسبه إلى دولته، فالمصريون يسمون إدريس هرمس الهرامسة، ويقولون: إنه ولد بمنف عاصمة مصر الفرعونية، ويقولون أيضا: إنه طاف البلاد ثم عاد إلى مصر مرة أخرى، واليهود يسمون إدريس (أخنوخ) ويقولون أنه نبى من الأنبیاء کان کثیر العبادة، وکان الله تعالی یحبه، ولذلك رفعه إلى السماء، وأهل اليونان يسمون إدريس (أورین الثالث) و یجعلونه حکیما من الحکماء عندهم وهذا دليل على أن  إدریس  علیه السلام کان رجلاً محبوبا من كل الناس فى الأرض، لأنه علمهم العلوم النافعة، كما علمهم كيف يعبدون الله، ويصلون له، والمسلمون بالطبع يحبون إدريس عليه السلام، لأن الله تعالى أخبرنا أنه کان صدیقا نبیا، وقد رآه النبي صلى الله عليه السلام في السماء الرابعة في رحلة الإسراء والمعراج.

وقد كانت الملائكة تُحب إدريس عليه السلام، فقد كان کثیر القراءة لکلام الله تعالی الذي أنزله في صحف (شیث)، وقد عانی فی سبیل دعوته و تحمل الأذی وصبر کسائر الأنبیاء صلوات ربي وسلامه علیهم ولذلك أثنی الله عليه فقال تعالى: ( وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين)".

ولهذا كان مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين.. فقد قال تعالى: "وَاذْكُرْ فِى الْكِتَـبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً(56) وَرَفَعْنـهُ مَكَاناً عَلِيّاً(57) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِّن النَّبِيِّنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرهِيمَ وَإِسْرءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايـتُ الرَّحْمـنِ خَرَّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً(58)".

 وقد أُخْتُلِفَ في موته.. فعن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعباً وأنا حاضر فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}؟ فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه: أني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم - لعله من أهل زمانه - فأحب أن يزداد عملاً، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال "له": إن الله أوحى إلي كذا وكذا فكلم ملك الموت حتى ازداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ قال هو ذا على ظهري، فقال ملك الموت: يا للعجب! بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟! فقبض روحه هناك. فذلك قول الله عز وجل {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}. ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها. وعنده فقال لذلك الملك سل لي ملك الموت كم بقي من عمري؟ فسأله وهو معه: كم بقي من عمره؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر. وهذا من الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة.

 وقول ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى. إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر، وإن أراد أنه رفع حياً إلى السماء ثم قبض هناك. فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار. والله أعلم.

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} : رفع إلى السماء السادسة فمات بها، وهكذا قال الضحاك. والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح، وهو قول مجاهد وغير واحد. وقال الحسن البصري: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: إلى الجنة، وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل.

قال البخاري: ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الإسراء: أنه لما مرّ به عليه السلام قال له مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ولم يقل كما قال آدم و إبراهيم: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قالوا: فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قالا له.

اضافة تعليق