"رياض محرز".. صانع الإلهام.. الإرادة أعظم من الموهبة

الخميس، 26 أبريل 2018 01:13 م
رياض-محرز
رياض محرز

لم يكن الطريق أمامه ممهدًا بالصورة التي يتخيلها البعض، وإنما كانت رحلته في الحياة مليئة بالصعاب، لكن ذلك لم يمنعه من السعي لتحقيق حلمه، حتى أصبح أحد أهم أبرز اللاعبين الذين حفروا أسماءهم في الملاعب الأوروبية، وحاز لقب أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي كأول عربي يحقق هذا اللقب، بعدما قاد فريقه المغمور إلى تحقيق أول لقب في تاريخه، واستحق عن جدار لقب أفضل لاعب في إفريقيا.

ولد الجزائري رياض محرز، في ضاحية سارسيل بباريس، وهي أحد الأحياء الأقل حظًا في العاصمة الفرنسية - والذي يشهد اضطرابات وجرائم عرقية ودينية - كان والده (أحمد) هو من اكتشف موهبته الكورية، خاصة أنه لعب لفترة طويلة كرة القدم في دوريات الهواة بفرنسا مع أكثر من فريق وقد لاحظ في نجله بأنه سيكون جناحًا مهاريًا مميزًا فقام بتنمية موهبته وإلحاقه بأحد أندية الهواة في باريس.

والتحق محرز في بداياته بنادي إي إي إس سارسيل، عام 2004، وهو نادٍ يلعب في دوري باريس المحلي. ويقول هايل مبيمبا، أحد زملاء محرز السابقين في الفريق إنه كان يلعب كرة القدم "طوال اليوم كل يوم تقريبًا، عندما ننتهي من التمرين مع الفريق، كان يتوجه إلى صالة الألعاب الرياضية في سارسيل. والرياضة، وخصوصًا كرة القدم، هي الوسيلة للابتعاد عن الشارع والانجراف إلى طرق أخرى". ووصف بأنه "مثال يحتذى، ومصدر إلهام للشباب".

لكن "محرز" تعرض لصدمة قوية في عمر الـ15 عامًا، بعدما توفي والده بسبب مضاعفات صحية نتيجة عملية جراحية في القلب. وتحدث عن شعوره وقتها لصحيفة "الجارديان": "لا أعلم ماذا حدث لي فعلاً بعد وفاة والدي ولكن شعُرت بأن الأمور أصبحت جدية وبأن الحياة قصيرة ويجب أن أتقدم وأعمل بجهد حتى أصل لحلمي".

بعد وفاة والده، انتقل لنادي كيمبيه الذي يقبع في الدرجة الرابعة الفرنسية عام 2009 بتوصية من محمد كوليبالي مدربه في فترة الشباب، والذي وصف محرز بأنه لديه شخصية اللاعبين الكبار وهذا أهم من أي مهارة يحتاجها اللاعب.

كان كيمبيه في الفئة السابعة من الكرة الفرنسية عندما انضم إليه محرز، وذلك بعدما فاز الفريق بثلاثة تصعيدات في فترة قصيرة قبل انضمامه، وأمضى ستة أشهر في الفريق الرديف قبل التدرج داخل النادي. وعاش برفقة اللاعب ماثياس بوجبا، شقيق بول بوجبا الذي يلعب في نادي يوفينتوس الإيطالي، في شقة صغيرة في وسط المدينة. وانتقل من وإلى التمرين بصحبة صحفي محلي لأنه لم يستطع القيادة.

وفي عام 2009، حاول الفريق الاستفادة من الشاب البالغ من العمر 18 عاما آنذاك، لكنه لم يقدم له عقدًا لعدم وجود ما يكفي من المال. وبحسب كريستوف مارشاند، الصحفي الفرنسي الذي يغطي أخبار هذا النادي: "فقد أجهش رياض بالبكاء وهو يتحدث إلى والدته عبر الهاتف. ورأى رئيس النادي الموقف، ووقع له عقدًا بعد 24 ساعة. ربما ما كان حصل على العقد إن لم يكن له رد الفعل هذا".

لم يعلم أهل باريس الكثير عن محرز في ذلك الوقت، لكن هذه الدموع هي التي ساعدته في الوصول إلى الدوري الانجليزي الممتاز وكأس العالم بعد ثلاث سنوات ونصف في دوري الدرجة الثانية الفرنسي.

يقول رونان سالاون، مدرب محرز في "كيمبيه": "نظمنا يومًا للتدريب، ولعبنا مباراة ودية مع عشرين لاعبًا، واحتفظنا برياض فقط. أدركت حاجتنا إليه بعد عشرين دقيقة فقط. ورغم وجود بعض المشاكل في بنائه الجسماني، لكن لديه مهارات متميزة".

ويقول جو دورفال، عضو مجلس إدارة نادي كيمبيه، إن محرز وصل إلى النادي "ومعه حقيبة بها ثلاثة أشياء فقط؛ فرشاة أسنان، ومعجون، وأحذية كرة القدم. كما أحضر قدمه اليسرى التي يكمن فيها سر مهارته، لكنها لم تكن في الحقيبة".

تألق محرز في كيمبيه أدى لانتقاله لنادي لو هافر، العريق، لكنه لم يُشارك مع الفريق الأول، وظل مع الفريق الثاني حتى عام 2013، وخلال هذه الفترة سجل 24 هدفًا في 60 مباراة، وهو ما لفت أنظار ناديي مارسيليا وموناكو للتعاقد معه، لكنه أصر على اللعب في ناد يستطيع التطور واللعب خلاله أساسيًا لمدة أطول.

في بداية موسم 2013-2014، تم تصعيد محرز للفريق الأول بنادي لو هافر، وقدم مستوى مميزًا مع الفريق الأول بتسجيله 6 أهداف في الليج 2، ومع تألقه اللافت للنظر للأندية الأوروبية، رحل عن فرنسا في يناير 2014 لينضم لفريق ليستر سيتي الإنجليزي الصاعد حديثًا للبريميرليج، في خطوة انتقدها البعض بسبب تفضيله الرحيل عن فرنسا، وفي ظل تلقيه لعروض من أندية فرنسية أكبر من ليستر مثل مارسيليا وموناكو وليل بجانب انتقاد بعض الإعلاميين لإعلانه الرغبة في اللعب للجزائر وقتها.

والأغرب أن مندوب ليستر سيتي الذي تعاقد معه، ذهب إلى فريق لو هافر لمعاينة لاعب آخر، ولم يكن على علم بمحرز أصلاً.وفي يناير 2014 لمحه مندوب ليستر سيتي، ستيف وولش، وقرر "المجازفة" بأخذه إلى دوري الدرجة الثانية، الذي تعد اللياقة البدينة فيه جانبًا أساسيًا.

ومع انتقاله إلى ليستر سيتي بعقد قيمته 350 ألف جنيه استرليني، قاد محرز الفريق إلى فوز تاريخي بلقب الدوري في عام 2016، بعد أن نجا في الموسم السابق لانتقاله إليه من شبح السقوط إلى الدرجة الثانية، ليصبح أول لاعب أفريقي وعربي يفوز بهذه الجائزة المرموقة، التي لم ينلها لاعبون أفارقة متميزون مثل ديديي دروجبا ويحيى توري.

ومثلما فاجأ ليستر سيتي المتابعين وخبراء الكرة بفوزه بلقب الدوري الانجليزي، فإن محرز كان اكتشاف الموسم أيضًا، وفاجأ الجميع بمهاراته وأهدافه وتمريراته.

فلم يكن الكثيرون يتوقعون لهذا اللاعب النحيل الجسم، أن يضمن مركزًا أساسيًا في فريق بالدوري الانجليزي، ناهيك عن الفوز بجائزة أحسن لاعب في الدوري، والانضمام إلى نادي أساطيره، على غرار كيفن كيجن، وكيني دالجليش، وجاري لينيكر، وتيري هنري، وكريستيانو رونالدو، وجاريث بيل، ولويس سواريز.

لكن محرز سجل 17 هدفًا، وصنع الكثير من الأهداف بتمريراته الدقيقة، ومراوغاته القاتلة، لتثبت الأيام أن ثقة اللاعب النحيل بنفسه كانت في محلها، إذ أصبح اليوم واحدًا من أبرز اللاعبين في العالم.

يقول محرز: "عندما أكون في الملعب أشعر كأنني أطير"، ويقول عنه زميله في ليستر سيتي الحارس كاسبر شمايكل: "محرز لاعب مثير، يجعل المتفرجين يقفون من مقاعدهم، بفضل حيويته ولمساته الساحرة. له القدرة على خلق الفرصة من العدم. وهذا هو نوع اللاعبين الذين يحتاجهم كل فريق".

يصف محرز إحدى نقاط قوة فريقه ليستر سيتي بالقول: "لا نملك أفضل اللاعبين ولا أكبر ميزانية، لكن تضامننا معًا أجبر الناس على الإعجاب بنا".

ويرفض محرز أن يقال عنه نجم فريق ليستر سيتي رفقة زميله الهداف، جيمي فاردي، ويقول: "نحن لاعبان في فريق من الأخوة، كل واحد منا يلعب من أجل الأسرة". ويضيف: "أنا وجيمي فاردي ونجولو كانتي وويز مورجان لم نتخرج في أكاديميات كروية ولم تتم برمجتنا لنكون لاعبي كرة محترفين".

ليس فقط الموهبة هي أهم ما ميزت النجم الجزائري، إذ أنه يمتلك أكثر من ذلك، فما حققه كان نتاج عمل شاق وشخصية قوية اكتسبها في ضواحي باريس الفقيرة، ومسئولية تحملها بعد وفاة والده، كل هذا جعل منه أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي وفي إفريقيا عن جدارة واستحقاق.

اضافة تعليق