حرية العقيدة في الإسلام.. مبادئ أرساها القرآن وطبقها النبي

الأربعاء، 25 أبريل 2018 02:29 م
حرية الاعتقاد

من أسرار عظمة الإسلام وسر تميزه، أنه لم يكره أحدًا على اتباعه أو الإيمان، فجعل الإيمان به محض اختيار لأي إنسان، شاء أن يؤمن بهذا الدين الخاتم، أو لا يؤمن، ولو أنه انتشر بالإكراه والجبر، لكان هذا من دواعي النقص فيه، والطعن في الأفكار والأهداف التي يحملها كرسالة هداية للبشرية جميعًا.

وهذا مما أرساه الإسلام كقاعدة أساسية لا لبس ولا غموض فيها، ولا تحتمل تأويلاً غير هذا المعنى، إذ يقول الله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"، والمعنى أنه لا إكراه لأحد على الدخول في الإسلام قسرًا، وقد تبينت حقيقته بجلاء ووضوح تامين، وهذا هو جوهر الآية التي نـزلت في قوم من الأنصار- أو في رجل منهم - كان لهم أولاد قد هودوهم أو نصروهم، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك.

عن ابن عباس قال: "كانت المرأة تكون مقلاتا (لا يعيش لها ولد)، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده. فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنـزل الله تعالى ذكره: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ".

فالمعنى إذن واضح لا لبس فيه، لا إكراه لأي من غير المسلمين على دخول الإسلام، ومن يقل بغير ذلك، فهو يتألى على الله، ويفتري الكذب عليه، ولا يفهم تلك الحقيقة القرآنية، التي وردت في أكثر من موضع بالقرآن، فهناك العديد من الآيات التي تحمل المعنى ذاته، ومنها "أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا"، إذن هي قضية حسمها الله، حتى لا ترهق نفسك ولا تحمل نفسك فوق طاقتها من إعراض عنك.

وإلى ذلك، قال الله تعالى: "لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ"، يقول أبوجعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم له، فلا تمنعهم الصدقة.

فالإسلام جعل قضية الإيمان من عدمه من الأمور المرتبطة بمشيئة الإنسان نفسه واقتناعه الداخلي؛ فقال سبحانه: "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"، حتى إن الله جل في علاه بين تلك الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن مهمته تبليغ الدعوة فقط، وأنه لا سلطان له على تحويل الناس إلى الإسلام فقال: "أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"، وقال: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ"، وقال: "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ".

والإسلام أقر هذا المبدأ عمليًا وترجمه إلى نص مكتوب في أول دستور وضعه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والذي يهدف بالأساس إلى تنظيم العلاقة بين جميع طوائف وجماعات المدينة، وعلى رأسها المهاجرين والأنصار والفصائل اليهودية وغيرهم.

فهو يعترف لليهود بأنهم يشكلون مع المسلمين أمة واحدة، ويضمن لهم كافة الحقوق مثلما للمسلمين، ويلزمهم بالتصدي معًا لأي عدوان خارجي على المدينة. وبإبرام هذا الدستور –وإقرار جميع الفصائل بما فيه- صارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل.


يقول المستشرق الروماني جيورجيو: "حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بندًا، كلها من رأي رسول الله. خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء. وضع هذا الدستور في السنة الأولى للهجرة، أى عام 623م. ولكن في حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده".

أيضًا في فتح مكة لم يجبر النبي أحدًا من المشركين على اعتناق الإسلام، ولم ينكل بأحد منهم، وكان شيمته الصفح عمن آذوه وأرادوا قتله، وهو يقول لهم قولته المشهورة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

كان من نتائج فتح مكة اعتناقُ كثير من أهلها دين الإسلام، ومنهم سيد قريش وكنانة أبو سفيان بن حرب، وزوجته هند بنت عتبة، وكذلك عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وأبو قحافة والد أبي بكر الصديق، وغيرهم، لكنهم اعتنقوا الإسلام دون أن يكرههم النبي على ذلك، وهذا أبلغ دليل على أن الإسلام لم يفرض على أحد الإيمان به بالقوة والإكراه، ولم ينتشر بحد السيف كما يزعم الزاعمون.

وعلى درب النبي، أعطى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للنصارى من سكان القدس الأمان "أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود".
وبينما كان عمر رضى الله عنه يملى هذا العهد حضرت الصلاة، فدعا البطريرك صفرونيوس عمر للصلاة حيث هو في كنيسة القيامة، ولكنه رفض وقال له: "أخشى إن صليت صليت فيها أن يغلبكم المسلمون عليها ويقولون هنا صلى أمير المؤمنين".

ومما يؤكد مفهوم التعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم وعدم إكراه أحد على الإسلام، ما جاء في قصة "نصارى نجران"، حين قدم وفد منهم إلى النبي الله عليه وسلم في عام الوفود إلى المدينة المنورة، وكانوا قد أرادوا مباهلته - أي يخوضُون حوارًا عقيديًا وفكريًا مع النبي - فلما قدموا دخلوا على النبي مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ دعوهم‏، فاستقبلوا المشرق، فصلوا صلاتهم.

وعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران شاهد على عظمة وسماحة الاسلام الذي كفل حق العبادة والمواطنة للجميع، وجاء فيه:

 أولاً: "أن أحمي جانبهم ـ أي النصارى ـ وأذبّ عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم ومواضع الرهبان ومواطن السياح، حيث كانوا من جبل او واد او مغار او عمران او سهل او رمل".

ثانيًا: "أن أحرس دينهم وملتهم أين كانوا؛ من بر أو بحر، شرقًا وغربًا، بما أحفظ به نفسي وخاصتي، وأهل الاسلام من ملّتي".

ثالثًا: "أن أدخلهم في ذمتي وميثاقي وأماني، من كل أذى ومكروه أو مؤونة أو تبعة. وأن أكون من ورائهم، ذاباً عنهم كل عدو يريدني وإياهم بسوء، بنفسي وأعواني وأتباعي وأهل ملتي".

رابعًا: "أن أعزل عنهم الأذى في المؤن التي حملها أهل الجهاد من الغارة والخراج، الا ما طابت به أنفسهم. وليس عليهم إجبار ولا إكراه على شيء من ذلك".

خامسًا: "لا تغيير لأسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا سائح عن سياحته، ولا هدم بيت من بيوت بيعهم، ولا إدخال شيء من بنائهم في شيء من ابنية المساجد، ولا منازل المسلمين. فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله وحال عن ذمة الله".


 سادسًا: "ان لا يحمل الرهبان والاساقفة، ولا من تعبّد منهم، أو لبس الصوف، أو توحد في الجبال والمواضع المعتزلة عن الأمصار شيئًا من الجزية أو الخراج...".

 سابعًا: "لا يجبر أحد ممن كان على ملة النصرانية كرهاً على الاسلام. "ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن". ويخفض لهم جناح الرحمة ويكف عنهم أذى المكروه حيث كانوا، وأين كانوا من البلاد".

ثامنًا: "إنْ أجرَم واحد من النصارى أو جنى جناية، فعلى المسلمين نصره والمنع والذب عنه والغرم عن جريرته، والدخول في الصلح بينه وبين من جنى عليه. فإما مُنّ عليه، أو يفادي به".

تاسعًا: "لا يُرفضوا ولا يُخذلوا ولا يُتركوا هَمَلاً، لأني أعطيتهم عهد الله على ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين".

عاشرًا: "على المسلمين ما عليهم بالعهد الذي استوجبوا حق الذمام، والذبّ عن الحرمة، واستوجبوا أن يذبّ عنهم كل مكروه، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم، وفيما عليهم".
حادي عشر: "لهم ان احتاجوا في مرمة (ترميم) بِيَعهم وصوامعهم، أو شيء من مصالح أمورهم ودينهم، إلى رفد من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها (ترميمها)، ان يرفدوا على ذلك ويعاونوا، ولا يكون ذلك ديناً عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم ووفاء بعهد رسول الله موهبة لهم ومنة لله ورسوله عليهم".

هذه المبادئ السابقة توضح إلى أي مدى انتصر الإسلام لحرية العقيدة، والقبول بالآخر، وقد تجلت هذه الروح في المبدأ القرآني: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، والمراد أن لغة الحوار هي التي يجب أن تسود وليس لغة القتال، ولا ينبغي بحال أن يخرج الحوار عن هذا الإطار الموضوعي الذي رسمه القرآن للنبي والصحابة والمسلمين من بعدهم.

وقد كان هذا حاضرًا بقوة في الخطاب القرآني في مجادلة أهل الكتاب إذ يقول الله تعالى: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"، لم تختتم الآية بأن كونوا مسلمين، او إنذار لهم بالوعيد والتهديد إن لم يقبلوا بالدخول فيه. فالحوار إذا لم يصل إلى نتيجة، فكل دينه الذي يؤمن به، لا يحط أحدًا من قدر الآخر، وهذا ما عبرت عنه الآية الأخيرة من سورة "الكافرون": "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ".

اضافة تعليق