بلال بن رباح.. الإسلام ضد "العنصرية".. والناس سواسية كأسنان المشط

الأربعاء، 25 أبريل 2018 10:37 ص
بلال-بن-رباح

ضرب الإسلام، أروع الأمثلة في المساواة والقضاء على العنصرية، وقدم أروع الأمثلة في التعايش السلمي مع الآخر‏,‏ حتى في ظل الاضطهاد والتعذيب‏,‏ وفي هذا يأتي نموذج التعايش بين المسلمين وبعضهم البعض، والمسلمين وغيرهم بعد البعثة النبوية‏.

ولنا في قصة الخلاف بين سيدنا بلال بن رباح وأبي ذر الغفاري، حيث تذكر الروايات التاريخية، أنه حدث خلاف بين أبي ذر الغفاري العربـي الأرومة، وبلال بن رباح الحبشي الأصل الذي كان عبدًا رقيقًا، فقام أبو ذر يُعيِّر بلالا بأمِّه "حمامة" السوداء الحبشية ويقول له: يا ابن السوداء، وفكَّر بلال فيما سمع، وقدَّر أن هذا جرم خطير لا ينبغي السكوت عليه؛ مخافة أن يستشري بين أفراد المجتمع الواحد، فيمزق الصف الداخلي، ويدمر السِلم الاجتماعي، ويحرق الأخضر واليابس، لكنه لم يرد على أبي ذر، بل عمد إلى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الشأن والقرار، ليعالج هذا الخطر ويقتلعه من جذوره، وذكر له ما قاله أبو ذر.

وطلب النبي صلى الله عليه وسلم من أبي ذر الحضور إليه، ولما تأكد له ما فعله خاطبه معنِّفا: " أعيَّرتَه بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية.. "، أي: عنصرية بغيضة. ثم أوضح له ذلك المعنى الخالد بما يشرح صدر كل إنسان ويزيده إعجابًا بالإسلام: "إخوانُكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليُطعمْه مما يأكل وليُلبسْه مما يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". رواه الشيخان.

فلما سمع أبو ذر العربي، هذا الكلام النبوي تأثَّر به أيّما تأثُّر، وندم على ما فعل، وألقى بنفسه على الأرض، ووضَع خدَّه عليها، وطلب من بلال ـ الذي كان عبدًا حبشيًا ـ أن يَطأَ خده الآخر بقدمه، معتذرًا إليه عما فعل، رادَّا إليه اعتباره الاجتماعي أمام الناس، لكن بلالا أبى ذلك، وأمسك بيد أبي ذر يرفعه إليه قائلاً: غفر الله لك يا أخي.

وهكذا دفن الإسلام العنصرية والتعاظم على الآخرين، وجعل الناس إخوة متحابين، أقربهم إلى الله أتقاهم وأنفعهم لعباده.

أول سبعة:

لا تنتهي مواقف بلال في التعايش أبدًا، فكان أول من أظهر إسلامه سبعة: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وبلال وصهيب والمقداد، فأَما النبي وأبو بكر فمنعهما الله بِقومهما، وأَما بقية السبعة فقد نكل بهم المشركون وألبسوهم ثيابًا من حديد ثم سخنوها فوق أجسادهم، وتركوهم في الشمس وكالوا لهم العذاب أشكالاً وألوانًا، حتى خر جميعهم إلا بلال الذي هانت عليه نفسه في الله، ولم ينج من العذاب إلا عندما رآهم أبو بكر الصديق وهم يعذبونه، فصاح بهم: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟"، ثم صاح في أمية: "خذ أكثر من ثمنه واتركه حرًا"، فاشتراه أبو بكر بأربعين أوقية ثم حرره.

فأصبح بلال من الرجال الأحرار، فقال المشركون لأبي بكر ساعتها لو دفعت فيه أوقية واحدة لبعناه لك، فرد عليهم قائلاً: لو طلبتم فيه مئة أوقية لدفعت، وذكر عمر فضل أبي بكر فجعل يصف مناقبه، ثم قال: وهذا سيدنا بلال حسنة من حسناته، وبلغ بلالًا أن ناسًا يفضلونه على أبي بكر، فقال: كيف يفضلوني عليه وإنما أنا حسنة من حسناته؟ وعن جابر قال عمر: أبو بكر سيدنا أعتق بلال سيدنا.

بدأ بلال رحلته مع العذاب، فقد كان الكفار يخرجون به في الظهيرة التي تتحوّل فيها الصحراء إلى جحيم، فيطرحونه على حصاها الملتهب وهو عريان، ثم يأتون بحجر مستعر كالحميم ينقله من مكانه بضعة رجال ويلقون به فوقه، ويصيح به جلادوه: "اذكر اللات والعزى"، فيجيبهم: "أحد أحد". وإذا حان الأصيل أقاموه وجعلوا في عنقه حبلا، ثم أمروا صبيانهم أن يطوفوا به جبال مكة وطرقها، وبلال رضي الله عنه لا يقول سوى: "أحد أحد"، قال عمار بن ياسر: "كل قد قال ما أرادوا ويعني المستضعفين المعذّبين قالوا ما أراد المشركون غير بلال" ومرَ به ورقة بن نوفل وهو يعذب ويقول: "أحد أحد"، فقال: "يا بلال أحد أحد، والله لئن مت على هذا لأتخذن قبرك حنانا"، أي بركة.

قصه إسلامه

إنه حبشي من أمة سوداء، عبدًا لأناس من بني جمح بمكة، حيث كانت أمه إحدى إمائهم وجواريهم، ولقد بدأت أنباء محمد تنادي سمعه، حين أخذ الناس في مكة يتناقلونها، وكان يصغي إلى أحاديث سادته وأضيافهم، ويوم إسلامه كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر معتزلين في غار، إذ مرّ بهما بلال وهو في غنمِ عبد بن جُدعان.

فأطلع الرسول -صلى الله عليه وسلم- رأسه من الغار وقال: "يا راعي هل من لبن؟"... فقال بلال: "ما لي إلا شاة منها قوتي، فإن شئتما آثرتكما بلبنها اليوم"... فقال رسول الله: "إيتِ بها"...

فجاء بلال بها، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقعبه، فاعتقلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحلب في القعب حتى ملأه، فشرب حتى روي، ثم حلب حتى ملأه فسقى أبا بكر، ثم احتلب حتى ملأه فسقى بلالاً حتى روي، ثم أرسلها وهي أحفل ما كانتْ...

ثم قال: "يا غلام هل لك في الإسلام؟ فإني رسول الله"... فأسلم، وقال: "اكتم إسلامك"... ففعل وانصرف بغنمه، وبات بها وقد أضعف لبنها، فقال له أهله: "لقد رعيت مرعىً طيبًا فعليك به"... فعاد إليه ثلاثة أيام يسقيهما، ويتعلّم الإسلام، حتى إذا كان اليوم الرابع، فمرّ أبو جهل بأهل عبد الله بن جدعان فقال: "إني أرى غنمك قد نمت وكثر لبنها؟!"... فقالوا: "قد كثر لبنها منذ ثلاثة أيام، وما نعرف ذلك منها؟!"... فقال: "عبدكم وربّ الكعبة يعرف مكان ابن أبي كبشة، فامنعوه أن يرعى المرعى"... فمنعوه من ذلك المرعى...

اضافة تعليق