في زمن الاضطرابات النفسية.. كيف تعيش مرتاح البال؟!

الأربعاء، 25 أبريل 2018 10:23 ص
في زمن الاضطرابات النفسية

في هذا الزمان يكثر الحديث عن قلة الراحة النفسية، وزيادة الاضطرابات الداخلية وعدم الرضا، وقلة البركة، وقد أجمع العلماء على أن التوتر والقلق من أخطر الأمراض المنتشرة في العالم، وهما السبب الرئيس وراء ازدياد معدلات الانتحار والأمراض النفسية والجسدية الخطيرة، بل إن منظمة الصحة العالمية رصدتن أن ما يقرب من ثلث سكان العالم يشعرون بالتوتر والخوف والإحباط وتوقع السوء في مستقبلهم وحدوث ما يهدد حياتهم.

فمن أين نأتي بالراحة النفسية، وهل الوصول لها أمرًا سهلاً، أم أن منالها بعيد، فليعلم الجميع أن الله برمج كل إنسان على طاعته، فمثلاً حينما تَرحم تُرحم، وقد أمرت أن تَرحم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ"، فحينها تشعر بشئ لا يوصف من السكينة والرحمة والرضا والسرور والغنى لأنك طبقت منهج الله وفي الوقت نفسه اصطلحت مع نفسك، وهذه هي السعادة الحقيقية.

لاشك أن الراحة النفسية تتحقق للمسلم بعدة أمور جميعها في الإيمان وعمل الصالحات واجتناب الكفر والمعاصي والسيئات، وكذلك صرف المسلم همته إلى الآخرة وترفعه عن الدنيا ودناءتها، مما يعين على ذلك.

روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: "سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: من جعل الهموم همًا واحدًا هم آخرته كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك".
وروى الترمذي عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".

وهنالك أشياء مادية لها أثرها في الراحة وطمأنينة القلب، لكنها لا تستقل بذلك، فإن عدم الإيمان ربما كانت وبالا على صاحبها في الدنيا والآخرة، عن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقوة ابن آدم ثلاثة، من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقوة ابن آدم المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء. رواه أحمد وغيره.

وذلك لن يتأتى إلا بقوة الصلة بالله، و تنفيذ ما جاء في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عباس: "يا غُلامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ ، إذَا سَألْتَ فاسألِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ , وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ " رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

وفي رواية غير الترمذي زيادة "احْفَظِ اللَّهَ تَجدْهُ أمامَكَ ، تَعَرَّفْ إلى اللّه في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ ، وَاعْلَمْ أنَّ ما أخْطأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً".

وأكثر ما تكون الأمراض في هذا العصر هي الأمراض النفسية، وأكثرها أمراض الاكتئاب الناتجة عن كثرة الهموم والأحزان، فتثقل النفس وتوهن القلب، فلا يزال المرض بالمؤمن حتى يصير عاجزًا كسلانًا، مهمومًا، محزونًا، لا يقدم شيئًا إيجابيًا لنفسه ولا لأسرته ولا لأمته. وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأمراض، كما أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال".

"أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"، تأكيد وبيان أن ذكر الله تسكن معه القلوب، فتطمئن لموعود الله، فتأمن من الخوف، فتجد القلب مطمئنًا ليومه، راضيًا بأمسه، مستبشرًا بغده، إذ اليوم متوكل على الله، وأمس راض بقدر الله فيه، وغدًا مستبشر باليسر بعد العسر.

وأيضًا السكينة وسط المخاوف، فكتاب الله سبحانه يبث السكينة في النفس، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا مرت بنا مصيبة أن نذكر الله ونتوكل عليه، فقال: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: قدر الله وما شاء فعل، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها، إلا أجره الله فيها وأخلفه خيرًا منها". ويقول الله عز وجل في كتابه: "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿١٥٦﴾أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ".

القرآن الكريم يعلمنا أن راحة البال لا تأتي إلا بثقة في الله: "وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"، لا على تواكل أو على قعود، أو انطواء، لكنها مبنية بالأساس على الثقة بالله وكذلك بعد الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها. قال سبحانه في كتابه حاكيًا عن ذي القرنين: "ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا"، وقال في جهاد المشركين: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ"، وقال في موقف مريم الضعيفة بينما هي تضع مولودها: "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ"، وقال في شأن موسى عليه السلام وهو بصدد معجزة غير مسبوقة: "اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا".

ولكن الله عز وجل يعلمنا أيضًا أنه ليس إعداد القوة ولا رباط الخيل ولا هز جذوع النخل ولا ضرب الحجارة بالعصا، ولا غير ذلك وحده كاف للمؤمنين، بل كلها أسباب تفتقر إلى قوة العظيم القادر سبحانه، فيعلمنا القرآن أن الله إذا علم من عبده صدق اللجوء إليه واتخاذ الأسباب مع توكله الكامل عليه وبذل جهده القادر عليه وصبره ويقينه، أنه لا شك ناصره، ولذلك بشر الصالحين بأعظم بشرى فقال سبحانه: "إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ".

اضافة تعليق