في الحديث عن الجهاد: شروط وضوابط

الثلاثاء، 24 أبريل 2018 09:32 ص
د. عمرو خالد
د. عمرو خالد

تعرض مفهوم "الجهاد" لعملية تشويه من قبل أصحاب الفكر المتطرف، أخرجته عن السياق الصحيح، بعد أن صوروه على أن المقصود به القتال، وحصروه في هذا المعنى الضيق، على الرغم من أنه أوسع من ذلك بكثير، وشاع القتل واستباحة الدماء – تحت مسمى الجهاد - نتيجة الفهم المغلوط، والاستدلال الخاطئ ببعض آيات القرآن، ومنها "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ"، "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ"، بعد أن ذهبوا – وفقًا لتفسيرهم - إلى ضرورة قتل غير المسلمين الذين اختلفوا معهم أو حتى ظلموهم. 

فمن الخطأ اجتزاء آية واحدة من القرآن في موضوع الجهاد، من غير أن تجمع وتفهم باقي الآيات المتعلقة بنفس الموضوع، حتى تخرج بجملة مفيدة متكاملة بشكل معتدل وسطي بلا تطرف، إذ لا يصح الاستدلال بجزء من الآية، وترك الجزء الآخر، فهو من الظلم البين للقرآن، ولابد من تفسيره جملة واحدة قبل إطلاق الأحكام وتعميمها، لأن تجزئته تشوه أهدافه، فينتج عن ذلك الأفكار المتطرفة.

فالجهاد - وفقًا للمفهوم الأوسع والأشمل – هو بذل الجهد في كل عمل لله، وانطلاقًا من ذلك، فالعمل جهاد، السعي على الرزق جهاد، إطعام الأولاد وتربيتهم جهاد، طلب العلم جهاد، كل عمل كان لله خالصًا من القلب جهاد، وكل من يخرج بنية العمل فهو في سبيل الله. أما القتال فله ضوابط وشروط محددة، ولم يأت الحديث عنه في القرآن إلا عن معركة عادلة بين جيشين.. "وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا"، والمقصود هنا القرآن وليس السلاح.

خمس مراحل لفهم حقيقة الجهاد 

التنظيمات المتطرفة كما سبق وأشرنا تنطلق في رؤيتها إلى مفهوم الجهاد من مجموعة آيات تتكلم عن القتال دون قراءة النصوص القرآنية كلها كوحدة بنائية واحدة، في حين أن للجهاد شروطًا يمكن إجمالها في خمس مراحل: 

المرحلة الأولى: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ"، فالله تعالى قيد القتال هنا بقيد شديد هو الاعتداء، فلا يكون إلا لدفع الاعتداء، أما إذا بادرت بالقتال فقد صرت أنت المعتدي، وخرجت عن حدود أمر الله، فالقتال المشروع في الإسلام لايكون إلا لدفع الاعتداء.

المرحلة الثانية: هناك شرط دقيق وضعه الله، ولايمكن بحال تجاوزه، تحت أي مبرر، وهو أنك لا تعتدي إلا على ذات من اعتدى عليك.. "فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ"، فإذا قتلت إنسانًا أعزل أو بريئًا أو ليس له علاقة فإن دمه يكون في رقبتك يوم القيامة، ويغضب الله عليك، لأنك أزهقت دم إنسان بغير وجه حق.. "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى".

المرحلة الثالثة: إذا حصل الاعتداء وعرفت مَن المعتدي، فالأصل هو اعتماد الوسائل السلمية في رد الحقوق، حيث تكون الحرب آخر الحلول، لأن السلم في الإسلام هو الأصل والحرب هي الاستثناء.. "ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً"، أي اطرق كل أبواب السلام وأغلق كل أبواب الصراع.

المرحلة الرابعة: إذا لم تفلح كل الحلول والوسائل السلمية، وليس هناك من حل إلا الحرب، هنا يكون القتال في تلك الحالة مشروعًا لرد الاعتداء، لكن بشرط أن تكون معركة عادلة بين جيشين لدولتين، وليس للأفراد وإلا حدثت الفوضى، وشاع الفساد، "وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ"، وهنا مثل أي دولة تدخل حرب، يأتي الأمر بل التحريض على القتال العادل "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِۚ"، "وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ". 

المرحلة الخامسة: الجهاد في الإسلام أكبر وأعم من مجرد القتال، الجهاد بذل الجهد من أجل إصلاح الأرض، ونحن نحتاج الآن إلى الجهاد البنائي نبني ونعمر وننجح لنعيش حياة كريمة.

جهاد الصحابة

عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله: لو كان هذا في سبيل الله؟، فقال رسول الله: "إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان". 

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم درجة الكسب على درجة الجهاد، فيقول: "لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب الأرض أبتغي من فضل الله أحب إلى من أن أقتل مجاهدًا في سبيل الله، لأن الله تعالى قدم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين" بقوله تعالى: "وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". 

وعلى ضوء هذا يتضح المنهج الإسلامي المرسوم لأتباعه بأنه يحثهم على توزيع قواهم بين العمل للدنيا بحيث لا يتركون فراغًا في دنياهم، والعمل للدين بحيث لا يهملون مبادئ دينهم، وبذلك يكونون قد استجابوا لله: "وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ"، إنه دين التوازن والوسطية والاعتدال، دنيا وآخرة، عمل وعبادة، متجر ومسجد.

الفتوحات الإسلامية 

 

بالنظر إلى الفتوحات الإسلامية، نجد أنها كانت في الأصل لمواجهة الخطر الذي كان يحيط بالدولة الإسلامية الوليدة وقتها ليقضي عليها، وكان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه عمر نفسه أيام النبي لما جاء أحدهم ليناديه، وهو نائم قال: أهاجمتنا الروم؟، والنبي وهو في سكرات الموت يقول: "أنفذوا جيش أسامة"، لأنهم كانوا يستعدوا لمهاجمة المدينة.. كان هناك تهديد عسكري يحيط بالدولة وقتها. 

والفرس والروم لم يكونوا أصحاب البلاد في مصر والعراق والشام، بل كانوا محتلين ظالمين، والمسلمون لم يحاربوا أهل البلاد، بل حاربوا المحتل ورفعوا الظلم عن أهلها ثم قالوا لهم: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ".

كما أن القرآن حدد شكل العلاقة مع الآخر في قوله: "لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ". 

وهكذا فإن الإسلام دين الرحمة والسلام، والجهاد لم يشرع في الإسلام إلا لرد الاعتداء وفق قانون محكم عادل، وشروط محددة، فليس لأحد من شاء أن يعطي لنفسه الحق في ممارسته، دون التقيد بالضوابط، وإلا سادت الفوضى العارمة، وزهقت أرواح كثير من الأبرياء، تحت مسمى "الجهاد".

اضافة تعليق