داود المفترى عليه.. والزعم بطمعه في زوجة أخيه

الإثنين، 23 أبريل 2018 01:39 م
داوود-المفترى-عليه


يدعي بعض المتوهمين أن حديث ابتلاء سيدنا داود - عليه السلام - بالمرأة الجميلة حديث صحيح، وهو عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك أنه قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن داود النبي - عليه السلام - حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني إسرائيل بعثًا (سرية أو غزوة) وأوصى صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو قرب فلانا، وسماه, قال: فقربه بين يدي التابوت - قال - وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل، أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله، فقدم فقتل زوج المرأة, ونزل الملكان على داود - عليه السلام - فقصا عليه القصة».

 ويزعمون أن بهذا الحديث تثبت القصة المنسوبة إلى نبي الله داود - عليه السلام - في شأن الابتلاء المتعلق بإعجابه بامرأة جميلة لجندي من جنوده؛ فزج به في الحرب حتى قتل ليتزوج بامرأته, فبعث الله له ملكين في صورة بشر، يسأله أحدهما عن استحواذ أخيه تسعا وتسعين امرأة، وكنى عن المرأة بالنعجة, ومع ذلك طلب منه أخزه أن يتنازل له عن زوجته, ويزعمون أن هذه القصة هي تأويل الآيات من (24:21) من سورة (ص).

 يقول الله تعالى: "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ".
 ويعتمد بعض الخطباء في سرد هذه القصة الملفقة على دس الإسرائيليات والأخبار الباطلة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن وجوه إبطال الشبهة:

1)        إن هذا الحديث من طريق يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا, ويزيد وإن كان من الصالحين إلا أنه ضعيف الحديث جدا عند الأئمة؛ لذلك فلا يصح سند هذا الحديث, كما أنه لم يثبت فيها حديث يجب اتباعه.

2)        إن ما ورد في متن الحديث في حق نبي الله داود - عليه السلام - من قتل وعشق يتعارض مع صفاته، وثناء الله عليه المذكور في القرآن, فقد آتاه ربه الحكمة والعلم, وأمر محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء به في صبره وكثرة ذكره, فقال عز وجل: )اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب (17)( (ص).

3)        مما يؤكد أن هذا الحديث موضوع، وأنه مأخوذ من الإسرائيليات التي كان يروجها أهل الكتاب، أن هذه القصة قد وردت في العهد القديم بالأسماء والأحداث نفسها.
كما أن الصفات والفضائل التي وصف وفضل بها داود - عليه السلام - في الآيات لا يتأتى معها ارتكابه المنكر, فنذكر من ذلك ما يلي:

ذا الأيد( أي: القوة، والمراد القوة في الدين؛ لأن القوة في الدنيا كانت حاصلة للملوك الكفار, وما استحقوا بها مدحا، والقوة في الدين هي العزم الشديد على أداء الواجبات وترك المنكرات, فكيف يوصف بها من لم يملك منع نفسه عن الميل مع الهوى والشهوة.

إنه أواب( والأواب: الرجاع, ولا يتصور من الرجاع إلى ذكر الله - عز وجل - أن يرغب في زوجة رجل آخر, وتشتد به الرغبة إلى حد محاولة الاستيلاء عليها عن طريق تعريض زوجها للقتل.

إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19)( (ص)، واللائق بتسخير هذه الأشياء للإنسان أن يقابله بالشكر والطاعة لا باتباع الهوى والشهوة.

وشددنا ملكه( (ص: 20)، وليس المراد منه أنه شد ملكه بأسباب الدنيا وحدها، فإن ذلك حاصل للملوك الكفرة, بل المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا, ومن شدد ملكه في الدين لا يعجز عن منع نفسه عن القتل والفجور.

وآتيناه الحكمة( (ص: 20), والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علما وعملا, فكيف يعقل أنه اتصف بالحكمة مع ارتكاب ما لا يصدق إلا من الجهلاء الحمقى؛ كانتزاع زوجة مجاهد مخلص, والاحتيال لقتله؟!

وفصل الخطاب( (ص: 20)، قال ابن عباس: بيان الكلام أي: معرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام المخاطبين له من غير صعوبة في ذلك، وقال ابن مسعود: علم الحكمة والبصر بالقضاء.

وقد مدح نبينا - صلى الله عليه وسلم - داود - عليه السلام - وأشاد به قائلا: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»[21]، وكانت عبادته - عليه السلام - من أمثل ما تكون العبادة, ولذا فقد كان صيامه وصلاته من أحب الأعمال إلى الله - عز وجل ـ, روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الصيام إلى الله صيام داود, كان يصوم يوما ويفطر يوما, وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود, كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه».

وفي تفسير الآيات للإمام الرازي، قال : روى أن جماعة من الأعداء، طمعوا في أن يقتلوا داود عليه السلام وكان له يوم يخلو فيه بنفسه، ويشتغل بطاعة ربه. فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم، فخافوا فقالوا كذبا : خصمان بغى بعضنا على بعض، فلما علم بقصدهم، دعاه الغضب إلى أن ينتقم منهم، لكنه مال إلى الصفح والتجاوز عنهم، فكانت هذه الواقعة هي الفتنة. أو أنه ظن أنهم أرادوا قتله، ولما لم يتحقق ظنه، كان ذلك فتنة. فاستغفر منه.

وقيل في تفاسير أخرى أن الفتنة وقعت حينما حكم داوود لأحد المتخاصمين بعد سماعه دون أن يسمع للأخر، فتعجل وحكم على ما سمعه من واحد فقط، فعاتبه ربنا جل وعلا لهذا السب.

اضافة تعليق