الصحابية عاتكة العدوية.. زوجة الشهداء

الإثنين، 23 أبريل 2018 12:52 م
عاتكة


شهدت مرحلة النبوة بطولات عظيمة للنساء الصحابيات، اللائي كان لهن السبق في ضرب المثال في التضحية، من أجل نشر دين الله، ومن أبرزهن، عاتكة بنت زيد العدوية، وهي امرأة عربية تميزت بأدبها وحسن خلقها وجمالها، وهذا جعل الكثير من الشباب يتقدم لزواجها.

ولأن الله عزوجل ميزها بأن كل من يتزوجها ينال الشهادة، فقد جعل كل مشتاق للشهادة يتهافت عليها ويتقدم للزواج منها، وقد كانت في غاية الإخلاص لدينها ولربها ولكل من تزوجها.

 والصحابية عاتكة هي بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وأخت سيدنا سعيد بن زيد زوج السيدة فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنهم أجمعين .

توفي والدها قبل بعثة الرسول صلّى الله عليه وسلم، ولكنه دخل الجنة فقد كان من الموحدين على ملة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وقد رآه الرسول صلّى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج بالجنة، وكانت ابنته السيدة عاتكة من أوائل من أسلموا هي وأخوها سعيد بن زيد، وقد كانت رحمة الله عليها شاعرة فصيحة تتسم بشدة الجمال .

وقد اشتهرت بين المسلمين بأنها زوجة الشهداء، حتى قال عنها عبدالله بن عمر: "من أراد الشهادة فليتزوج بعاتكة"، ولقد بدأت قصة زواجها وهي في مرحلة الشباب فتهافت عليها الشباب يطلبون زواجها ، ومن بينهم كان ابن سيدنا أبي بكر الصديق وهو عبدالله رضي الله عنه ، فتقدم لها ووافقت على الزواج منه وبدأت حياتهم وهم في غاية السعادة ، فقد كان عبدالله بن أبي بكر مشغولًا بها كثيرًا عن أداء باقي أعماله من التجارة وأمور الحرب وغيرها .

وقد مر عليه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أحد الأيام يريد أن يصحبه إلى الصلاة، ولكنه سمعه يحدث زوجته بكلام جميل معسول فتركه وذهب ليصلي، وعندما عاد سيدنا أبي بكر وجده على نفس الحال، فناداه وقال يا عبدالله أصليت جماعة؟

فقال عبدالله أو صلى الناس ؟ فقال سيدنا أبي بكر نعم ؟ لقد شغلتك عاتكة عن الصلاة والتجارة والمعاش يا عبدالله فطلقها، ولأن عبدالله لم يستطع أن يخالف والده طلقها، لأنه أدرك مدى تقصيره في حق الله وفي تأدية واجباته، ولكنه ظل متعلقًا بها وهي أيضًا ندمت لأنها كانت سبب في انشغال زوجها عن طاعة الله عزوجل .

وفي إحدى الليالي سمع سيدنا أبي بكر ابنه عبدالله يقول أبياتًا من الشعر تعبر عن ندمه لطلاق عاتكة، فآمرة سيدنا أبي بكر أن يردها، فطار عبدالله فرحًا وعاد إليها يراجعها ويترجاها، وبالفعل راجعها ووهبها حديقة بشرط أن لا تتزوج بعده أحد، واستمرت الحياة بينهم في غاية السعادة، ولكن لم تدم طويلًا فقد استشهد عبدالله في إحدى المعارك وقالت فيه عاتكة شعرًا :

فلله عينـا من رأى مثـله فتـى** أكر وأحمى في الهياج واصبرا
إذا شـرعت فيـه الأسنة خاضها *إلى الموت حتى يترك الرمح احمرا

واستمرت عاتكة في عبادة ربها تبتعد عن الناس وتتذكر أيامها السعيدة مع زوجها السابق عبد الله، ولكن بعد فترة تقدم إليها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنة وأرضاه، ولكنها أخبرته بشرط زوجها السابق عبد الله واستفتت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأخبرها أن ترد الحديقة التي أهداها لها عبد الله بن أبي بكر مقابل عدم زواجها بعده إلى أهله، وبعد ذلك تزوجت سيدنا عمر بن الخطاب، وقد رزقها الله عز وجل منه عياض وقد كانت عابدة مخلصة لدينها ولزوجها .

وتمر الأيام ويطعن سيدنا عمر بن الخطاب على يدي أبو لؤلؤة المجوسي وهو يصلي بالناس صلاة الفجر فتنتقل روحه إلى بارئها، وتحزن عليه عاتكة حزنًا شديدًا وتبكي على فراقه وهي تقول الشعر :

فجعني فيروز لا در درة ** بأبيض تال للكتاب منيب
رؤوف على الأدنى غليظ على العدا ** أخي ثقة في النائبات مجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ** سريع إلى الخيرات غير قطوب
عين جودي بعبرة ونحيب *** لا تملي على الإمام النجيب

 وبعد وفاة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ظلت فترة طويلة لا تخرج من بيتها إلا للصلاة بالمسجد، وعندما انقضت أيام العدة تقدم لها الزبير بن العوام ولم تكن تريد الزواج، ولكن ألح عليها وبالفعل تم الزواج وقد كان غيورًا جدًا عليها، حتى أنه كان يغار عليها إذا ذهبت إلى الصلاة بالمسجد .

ومرت الأيام بينهم هانئة إلى أن قتل زوجها الزبير بن العوام أيضًا بعد أن اغتاله عمرو بن الجرموز ، فبكت عليه حزنًا وقالت فيه شعرًا :

غدر ابن جرموز بفارس بهمـة **يوم اللقا و كان غير معـرد
شلـت يمينك إن قتلت لمسلما **حلت عليك عقوبة المستشـهد

وبعد انقضاء عدتها جاءها سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يريد زواجها، فقالت له إني لا أضن بك يا ابن عم رسول الله عن القتل، فعاد علي عن طلبه وبعد ذلك تزوجها سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد كانت رفيقة كفاحه ورحلت معه إلى الكوفة وصبرت صبرًا جميلاً، إلى أن قتل سيدنا الحسين بكربلاء وكانت أول من رفع خده من على التراب ولعنت قاتله وقالت فيه شعرًا:

 وحسيناً.  فلا نسيت حسينا * أقصــدته أسنة الأعــداء
غــادروه بكربلاء صريعاً  جادت المزن في ذرى كربلاء

 وقد كان سيدنا الحسين بن علي هو آخر زوجًا لها ، وبعدها بفترة توفيت الصحابية الجليلة سنة 40 للهجرة ، بعد أن تزوجت خيار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، ونالوا جميعًا بدخولهم حياتها الشهادة ، فرحم الله المرأة العابدة عاتكة العدوية .

اضافة تعليق