الرشوة.. من أشد الحرمات.. انتشارها يفسد المجتمعات

الإثنين، 23 أبريل 2018 12:10 م
الرشوة

حينما يغيب الضمير والوازع الديني تنتشر في المجتمعات ظواهر وسلوكيات غير أخلاقية كثيرة منها الرشوة.. والرشوة من السحت، ومن أشد الحرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي ولعن الرائش، - وهو الساعي بينهما -، والله جل وعلا قال في اليهود‏:‏ ‏{‏سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ‏}‏ ‏[‏سورة المائدة‏:‏ آية 42‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏ [‏سورة البقرة‏:‏ آية 188‏]‏، وهذه الآية على أحد التفسيرين تعنى في الرشوة وتحذر منها‏.‏

فالرشوة حرام بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهي كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أكل منها؛ فقد أكل سحتاً، واستعمل حرامًا يؤثر على أخلاقه وعلى دينه وعلى سلوكه‏.‏

وقد جاء في الحديث‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا ربي‏!‏ يا ربي‏!‏ ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنّى يستجاب له‏؟‏‏!‏‏" ‏[‏رواه مسلم في ‏صحيحه‏‏‏]‏‏.‏

وهذا حديث صحيح، بيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن أكل الحرام من الرشوة وغيرها؛ أنه يمنع قبول الدعاء، وأن آكل الرشوة أو غيرها من الحرام لا يستجاب له دعاء، وهذا خطر عظيم؛ لأن أحدًا لا يستغني عن الله عزّ وجلّ طرفة عين، فإذا قطع الصلة بينه وبين الله؛ ورد دعاؤه؛ فما قيمة حياته‏؟‏‏!‏.

فالرشوة ما فشت في مجتمع؛ إلا وفشا فيه الفساد، وفشا فيه الخلل، وتشتت القلوب، والإخلال بالأمن، وضياع الحقوق، وإهانة أهل الحق، وتقديم أهل الباطل، وهذا يحدث في المجتمع ضررًا بيّنًا؛ فالرشوة من أخبث المكاسب، وأثرها على الفرد والمجتمع من أسوأ الآثار‏.‏

وكانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرسل عبد اللهِ بن رَواحةَ إلى يهود خيبر كُلَّ عامٍ ليَخْرصها عليهِم، (فشَكَوْا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شِدَّةَ خَرْصِهِ، وأَرادُوا أنْ يَرْشُوهُ، فقالَ: «يا أعداءَ اللهِ أتُطْعِمُوني السُّحْتَ، واللهِ لقد جِئتُكُم من عندِ أحَبِّ الناسِ إليَّ، ولأَنتُم أبغضُ إليَّ من عِدَّتِكُم من القِرَدَةِ والخنازيرِ، ولا يَحْمِلُنِي بُغضِي إيَّاكُم وحُبِّي إيَّاهُ على أنْ لا أَعدِلَ عليكُم»، فقالُوا: بهَذا قامتِ السماواتُ والأرضُ) رواه ابنُ حبَّان وحسنه الألباني.

وقال تعالى: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ ﴾، قال البغوي: (أيْ: يَرْتَشُون في الأحكامِ(.
 وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (إنهُ لا يَدخُلُ الجنةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ) رواه ابنُ حبان وصحَّحه الألباني. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: (يا كعبَ بنَ عُجْرَةَ، إنهُ لا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِن سُحْتٍ إلا كانتِ النارُ أَوْلَى بهِ) رواه الترمذي وصحَّحه الألباني.

وعن أبي حُمَيْدٍ الساعدِيِّ قالَ: (استَعْمَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رَجُلاً منَ الأسْدِ، يُقالُ لهُ: ابنُ اللُّتْبِيَّةِ على الصَّدَقةِ، فلمَّا قَدِمَ قالَ: هذا لكُم، وهذا لي أُهْدِيَ لي، قالَ: فقامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على الْمِنْبَرِ، فحمِدَ اللهَ وأَثنى عليهِ، وقالَ: ما بَالُ عاملٍ أَبْعَثُهُ، فيقولُ: هذا لكُمْ وهذا أُهْدِيَ لي، أفلا قَعَدَ في بَيْتِ أبيهِ، أو في بَيْتِ أُمِّهِ، حتى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إليهِ أم لا؟ والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يَنالُ أحَدٌ منكُم منها شيئاً إلا جاءَ بهِ يومَ القيامةِ يَحْمِلُهُ على عُنُقِهِ بعيرٌ لهُ رُغاءٌ، أو بقرةٌ لها خُوارٌ، أو شاةٌ تَيْعِرُ، ثم رفَعَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يدَيْهِ حتى رَأَيْنا عُفْرَتَيْ إبطَيْهِ، ثمَّ قالَ: اللهُمَّ هلْ بلَّغْتُ؟ مرَّتينِ) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.

وعن عَدِيِّ بنِ عميرةَ الكِندِيِّ رضي الله عنه قالَ: (سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: مَنِ استَعْمَلْناهُ منكُم على عَمَلٍ فكَتَمَنا مِخْيَطاً فما فَوْقَهُ كانَ غُلُولاً يَأتي بهِ يومَ القيامةِ، قالَ: فقامَ إليهِ رجُلٌ أسوَدُ منَ الأنصارِ كأني أَنظُرُ إليهِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، اقبَلْ عنِّي عملَكَ، قالَ: وما لكَ؟ قالَ: سَمِعتُكَ تقولُ: كذا وكذا، قالَ: وأنا أقُولُهُ الآنَ، مَنِ استعمَلْناهُ منكُم على عَمَلٍ، فلْيَجِئْ بقليلهِ وكثيرِهِ، فمَا أُوتيَ منهُ أخَذَ، وما نُهِيَ عنهُ انتَهَى) رواه مسلم.

 وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (هدايا العُمَّالِ غُلُولٌ) رواه الإمام أحمد وحسَّنه ابن الملقِّن.
 وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (منِ استعْمَلناهُ على عَمَلٍ فرَزَقناهُ رَزْقاً، فمَا أخذَ بعدَ ذلكَ فهوَ غُلُولٌ) رواه أبو داود وصحَّحه الذهبي.

فليتقِ الله كل مسلم، وليحذر سَخَطَهُ، وليتجنب أسباب غضبه، فإن الله جلَّ وعلا غيورٌ إذا انتُهكت محارمُه، قال صلى الله عليه وسلم: (لا أحدَ أغيرُ من اللهِ) متفقٌ عليه، وليُجنِّب نفسه وأهله المال الحرام والأكل الحرام، نجاةً بنفسه وأهله من النار التي جعلها الله أولى بكلِّ لحمٍ نَبَتَ من الحرام، كما أن المأكل الحرام سببٌ لحجب الدُّعاء وعدم الإجابةِ، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (أيُّها الناسُ، إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّباً، وإنَّ اللهَ أَمَرَ المؤمنينَ بما أمَرَ بهِ المرسلينَ، فقالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾، وقالَ:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾، ثُمَّ ذكَرَ الرجُلَ يُطيلُ السفرَ أشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يديهِ إلى السماءِ، يا ربِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرَامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرَامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِيَ بالحَرَامِ، فأنَّى يُستجابُ لذلكَ؟) رواه مسلم.

فعلى المسلم أن يتوب إلى الله إذا كان يتعاطى شيئًا من ذلك، وعلى من عافاه الله منها أن يسأل الله عز وجل الثبات على الحق، وأن يديم عليه العافية؛ فإنها جريمة كبيرة، ومعصية ظاهرة، وهي غش لولاة الأمور، وغش للنفس، وغش للمجتمع، ويجب على ولاة الأمور أن ينكلوا ويردعوا المرتشين والراشين؛ كما لعنهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم‏.

اضافة تعليق