أصحاب الأخدود.. الانتصار الحقيقي في التمسك بالمبادئ

الأحد، 22 أبريل 2018 09:47 ص
هنا كان يعيش أصحاب الأخدود
هنا كان يعيش أصحاب الأخدود

أصحاب الأخدود.. تتردد قصتهم كثيرًا على المنابر وأحيانًا في مضرب المثل لتحمل الصبر، وكيف أن فتى واجه وحده كل هذا الظلم حتى نصره الله عليهم، فالقليل منا يعرف من هؤلاء، خصوصًا وقد ذمَّهم الله في قرآنه الكريم.. فهم أصحاب الملك ذو نواس الحميري آخر ملوك "حمير" باليمن، وعُرفوا بأصحاب الأخدود لأنهم شقوا خندقاً مستطيلاً في الأرض ثم أضرموا النار في ذلك الخندق، ثم أحضروا المؤمنين بالله من نصارى نجران وطلبوا منهم ترك ديانتهم والدخول في ديانتهم المنحرفة التي كان عليها الملك، وكان مصير من يرفض أن يُلقى في النار وهو حي، أما أصحاب الأخدود فكانوا يتلذذون من تعذيب أولئك المؤمنين المستضعفين الذين لم يكن لهم ذنب سوى الإيمان بالله.

وذكر الله عَزَّ و جَلَّ أصحاب الأخدود وأشار إلى قصتهم بإيجاز وشنَّع فعلتهم النكراء ولعنهم فقال: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾.

أصحاب الأخدود.. هي قصة الغلام الذي أرشده الله إلى طريق الخير، والإيمان، والثبات، واستطاع بفضل من الله أن يزيل عرش الملك المتجبر الذي ادّعى الألوهية من دون الله عزّ وجل؛ حيث كان لهذا الملك ساحر يعتمد عليه في تثبيت ملكه، وتخويف الناس، فكبر هذا الساحر في العمر، وطلب من الملك أن يعين له غلاماً يعلمه أمور السحر، ليخلفه في مهمته، وقد كتب الله الخير لهذا الغلام، ففي أثناء ذهابه للساحر تعرف على راهب مؤمن دعاه للإيمان والتوحيد، فاستجاب له الغلام وآمن بدعوته، ودلّه الراهب إلى طريقة يتخلص بها من الساحر، وقد أجرى الله على يديه الكرامات مثل شفاء المرضى، وإبراء الأبرص والأكمه، وقد اتخذ منها وسيلة لنشر دعوته وتبليغ رسالته.

وقد وصل الخبر للملك عن طريق جليس له كان قد شفاه الله بدعاء الغلام له، فشعر الملك ببوادر فتنة تهدّد مستقبل عرشه، وأراد أن يصل إلى أصل هذه الفتنة، فوصل إلى الغلام وإلى الراهب، فقتل الراهب مباشرة، ولكنّه استخدم مع الغلام طرق مختلفة من العذاب والتخويف، طمعاً في عودته عن دعوته، ليستفيد من ذلك في تدعيم قواعد حكمه، وكان الله في كلّ مرة ينجيه ممّا هو فيه، ويعيده إلى الملك منتصراً ومتحدّياً له.

فلما يئس الملك من قتل الغلام أخبره الغلام بأنّه لن يستطيع قتله إلا بطريقة واحدة يحدّدها الغلام بنفسه، ولم يكن الغلام يطلب الموت بقدر ما كان يريد أن يثبت للناس عجز الملك، وقدرة الله عزّ وجل، فأخبره أنّه لن يستطيع قتله إلا بأن يجمع الناس في صعيد واحد، وأن يصلبه على خشبة، ثمّ يأخذ سهماً من كنانة الغلام، ويرميه به قائلاً: بسم الله رب الغلام، وقد فعل الملك ما قاله له الغلام، وما كاد الغلام يسقط ميتاً حتى تنادى الناس من كل حدب وصوب مرددين: آمنا برب الغلام، وفي هذه اللحظة جنّ جنون الملك، فحفر الأخاديد، وأضرم فيها النيران، وقذف كلّ من أصرّ على الدين فيها، فرضي الناس بالتضحية في سبيل الله، ومن الكرامات التي حدثت في ذلك اليوم أن أنطق الله الرضيع عندما تقاعست أمّه عن اقتحام النار، وقال لها: "يا أماه اصبري فإنّك على الحق"، فكانت آية ثبّت الله بها قلوب المؤمنين.

إن هذه القصة تبين لنا قاعدة مهمة من قواعد النصر ، وهي أن الانتصار الحقيقي هو انتصار المبادئ والثبات عليها، وأن النصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة ، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة ، وأن الحياة الدنيا وما فيها من المتاعب والآلام ليست هي الميزان الذي يوزن به الربح والخسارة.

لقد انتصر هذا الغلام عدة مرات في معركة واحدة وموقف واحد، انتصر بقوة فهمه وإدراكه لأقصر وأسلم الطرق لنصرة دينه وعقيدته، وإخراج أمته ومجتمعه من الظلمات إلى النور، وانتصر بقدرته على اتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب، متخطيا جميع العقبات، ومستعليا على الشهوات، ومتاع الحياة الدنيا، وانتصر عندما تحقق ما كان يدعو إليه وما قدم نفسه من أجله، وانتصر عندما فاز بالشهادة في سبيل الله، وانتصر عندما خلد الله ذكره في العالمين، وجعل له لسان صدق في الآخرين.

اضافة تعليق