ابتعد عن سوء الظن.. والتمس لغيرك ألف عذر

الأحد، 22 أبريل 2018 09:15 ص
في-التماس-الأعذار
صورة تعبيرية

تحزن وتغضب بشدة من موقف يبدو لك ظاهره أنه فيه إساءة لك، فتوغر صدرك ناحية ذلك الشخص الذي ابتدر منه هذا التصرف، لأنه قد رأيته فعل ذلك عن عمد، وربما لم يكن يقصده بالمرة، ويصل الأمر إلى حد القطيعة، على الرغم من أن الموقف قد يحتمل شيئًا آخر، على خلاف ظنك.

وهذا مما يعلمنا أن نلتمس الأعذار للآخرين، وألا نتصيد لهم أخطاءهم وزلاتهم، فإذا كنت معصومًا، ومصونًا من الزلل والخطأ، فغيرك كذلك، أما وأنك إنسان، فلا بد أن تصيب وتخطئ، هكذا جبلت، وهكذا يجب أن تنظر إلى الناس، أن تحسن الظن بالناس وألا تسيء الظن بأحد، لئلا يمتلأ قلبك بالحقد والكراهية.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً"، فالتماس الأعذار هو دأب الصالحين، الذين كانوا يحسنون الظن ويلتمسون المعاذير، وكان محمد ابن سيرين رحمه الله يقول: "إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه".

فإياك والحكم على نوايا الناس، والتفتيش عما يختلج صدورهم، فتلك ليس مهمتك ولا وظيفتك، إذ أننا مأمورن بأن نعامل الناس وفق الظاهر لنا، ونحكم فقط على ما تراه العيون، والله وحده هو أعلم بالسرائر، "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ".

يقول الكاتب الأمريكي "ستيفن ر.كوفي": "كنت في صباح يوم أحد الايام في قطار الأنفاق بمدينة نيويورك، وكان الركاب جالسين في سكينة، بعضهم يقرأ الصحف، وبعضهم مستغرق بالتفكير، وآخرون في حالة استرخاء، كان الجو ساكنًا مفعماً بالهدوء!! فجأة... صعد رجل بصحبة أطفاله الذين سرعان ما ملأ ضجيجهم وهرجهم عربة القطار... جلس الرجل إلى جانبي وأغلق عينيه غافلاً عن الموقف كله... كان الأطفال يتبادلون الصياح ويتقاذفون بالأشياء... بل ويجذبون الصحف من الركاب وكان الأمر مثيرًا للإزعاج... ورغم ذلك استمرالرجل في جلسته إلى جواري دون أن يحرك ساكنًا ...!!؟؟ لم أكن أصدق أن يكون على هذا القدر من التبلد... والسماح لأبنائه بالركض هكذا دون أن يفعل شيئًا ...!؟

يقول "كوفي" بعد أن نفد صبره: "التفت إلى الرجل قائلاً: إن أطفالك ياسيدي يسببون إزعاجًا للكثير من الناس.. وإني لأعجب إن لم تستطع أن تكبح جماحهم أكثر من ذلك...!!؟ إنك عديم الاحساس.. فتح الرجل عينيه... كما لو كان يعي الموقف للمرة الأولى، وقال بلطف: نعم إنك على حق.. يبدو أنه يتعين علي أن أفعل شيئًا إزاء هذا الأمر... لقد قدمنا لتونا من المستشفى... حيث لفظت والدتهم أنفاسها الأخيرة منذ ساعة واحدة... إنني عاجز عن التفكير... وأظن أنهم لايدرون كيف يواجهون الموقف أيضًا...!!

يقول "كوفي": تخيلوا شعوري وقتها؟.. فجأة امتلأ قلبي بآلالم للرجل وتدفقت مشاعر التعاطف والتراحم دون قيود... قلت له: هل ماتت زوجتك للتو؟... إنني آسف.... هل يمكنني المساعدة ؟ لــقد تغيـــــــر كل شيء في لحـــــظة!!

ومما يرويه أبو نعيم الأصبهاني، ذلك الموقف الجميل بين الإمام الشافعي وتلميذه الربيع بن سليمان، أن الربيع قال: مرض الشافعي فدخلت عليه. فقلت: يا أبا عبدالله! قوى الله ضعفك، فقال: يا أبا محمد لو قوَّى الله ضعفي على قوتي أهلكني!.. قلت: يا أبا عبدالله ما أردت إلا الخير.. فقال: لو دعوت الله علي لعلمت أنك لم ترد إلا الخير!

أرأيتم حسن ظن كهذا، الشافعي مريض يتألم، لكنه كان حسن الظن إلى أبعد مدى بتلميذه، إلى الحد الذي يجعله يلتمس العذر له إذا دعا الله عليه، وليس ذلك إلا لأنه كان من الصالحين، يتعايشون مع الناس بأخلاقهم، عن وعي وفهم لحقيقة الإسلام، فتجسد في سلوكهم، وفي كل تصرفاتهم، لم ينشغلوا بتوافه الأمور عن عظيم المهمة التي كلفوا بها، وهكذا كل صاحب قضية في الحياة، لا ينشغل إلا بعواظم الأمور.

عن عبدالله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت ثم أعاد عليه الكلام فصمت فلما كان في الثالثة قال: "اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة".

وجاء قريبًا من معنى الحديث: "التمس لأخيك سبعين عذرًا"، وهي مقولة لجعفر بن محمد إذ قال: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته، وإلا قل: لعل له عذرًا لا أعرفه".

نفس طيبة حسنة، تبتعد عن أي موطن للخلاف، وتذهب إلى التماس الأعذار دومًا، حتى لا يجد الشيطان مدخلاً إليها، ويثير أحقادها على غيرها، ووالله إنها لنفس تعيش على الفطرة السوية، التي جبلها الله عليها، تلقي العذر للآخرين ولا تجعل للشيطان عليها سبيلاً أو أن ينقص من درجاتها وحسناتها وهي لا تشعر.

قبول الأعذار، من شيم الكرام، العافين عن الناس، ذوي النفوس المتسامحة المتصالحة مع ذاتها، لا تضمر شرًا ناحية أحد، ولا تنتفض لأن أحدًا قد أساء إليها، ومن جميل خلقها، وعظيم أدبها، أنه إذا أتاها من أساء إليها بسوء ظن قبل عذرها، بلا تردد، وعفا وأصفح عنه.

فالله تعالى يقول: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، ويقول: "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ".

والمؤمن ذو نفس كريمة تقبل الأعذار، وهو مما يجلب له السعادة في الديا والآخرة، وما أجمل قول الله: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ". قال عبد الله بن الزبير: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. قال مجاهد: يعني خُذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس، مثل: قبول الأعذار والعفو والمساهلة، و ترك الاستقصاء في البحث، والتفتيش عن حقائق بواطنهم.

لكن على الإنسان نفسه أن يبتعد عما قد يثير شبهة إساءة الظن ويحرص عليه، فلا يخوض فيه أحد باللسان، أو بمجرد التفكير، وهو من أخلاق التبي صلى الله عليه وسلم الذي خشي أن يظن الصحابة فيه أو يستغربوا مشيه في جنح الظلام مع امرأة، حتى لا يقع الشيطان في قلوب أصحابه.

 ففي الصحيحين أن صفية (وهي إحدى زوجات النبي) أتت النبي تزوره وهو معتكف، وأن رجلين من الأنصار رأياهما فأسرعا، فقال النبي: "على رسلكما إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله. قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا"، أو قال: "شرًا".

ومن أعظم ما ورد من مواقف في سيرة النبي الكريم من ضرروة التماس الأعذار للناس على الدوام، ما رواه أسامة بن زيد، قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذًا، قال: فقال: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم".

وفي رواية أخرى في صحيح مسلم، أن أسامة بن زيد طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له، فقال له رسول الله: "فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة، قال يا رسول الله استغفر لي، قال وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة، قال فجعل لا يزيده على أن يقول كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"!.

وهو نوع من التأديب والزجر من رسول الله لأسامة بن زيد، لأنه قتل شخصًا غلب على ظنه أنه ما أسلم إلا لينجو بحياته في ميدان القتال مع أنَه كما في روايات أخرى قام وقتل أحد الصحابة، وحينما رآه أسامة بن زيد لاذ والتجأ بشجرة، فأراد أن يهوي بسيفه على رأسه، فقال ذلك المشرك: لا إله إلا الله، وهو درس عظيم في ضرورة إحسان الظن بالآخرين، بل والعدو نفسه كما هو ظاهر من قول.

اضافة تعليق