عمر بن الخطاب.. الذي اعتذر لمسيحية.. واشترى مظلمة مسنة

الجمعة، 20 أبريل 2018 09:57 ص
عمر بن الخطاب
عمر بن الخطاب

المتابع لسيرة سيدنا عمر بن الخطاب.. ربما يجد تشابهًا ليس بالقليل بينه وبين "ذي القرنين"، ذلك الرجل الذي ذكره الله عز وجل في سورة الكهف بأنه عنده علم بعمارة الأرض، ويدافع عن المظلومين، ويعاقب المجرمين.
فلا يختلف اثنان على ضرورة الاهتمام بسيرة الفاروق عمر، ليس فقط في جوانبه الشرعية، وإنما أيضًا اجتهاداته الكثيرة في قضايا مهمة ما تزال حية إلى اليوم، مثل قضايا المال العام، وكيف يتصرف فيه، كما أن اهتماماته بأمور المسلمين الحياتية المعاشية، واهتمامه بالبنية التحتية للدولة، كل ذلك يلفت النظر لأهمية إعادة قراءتها.
عندما يُذكر عمر يتحدث الناس عن إسلامه الذي كان فتحًا، وعن عدله الذي بهر العقول، وعن تقواه وخشيته وتقشفه في ملبسه ومأكله، ويذكرون عمر الفاتح الذي فتحت في عهده بلاد الشام بأكملها والعراق وفارس وخراسان ومصر.. ويذكرون عمر المجتهد الفقيه، وقد وصفه الرسول بالعبقرية فقال: "لم أرَ عبقريًّا يفري فريه"، ووصفه بأنه مُحدَّث (ملهم).
عمر الذي يشتهر بعدله وهيبته وتواضعه حتى أنه كان يداوي إبل الصدقة بيده، هناك أمور أخرى ربما أكثر أهمية يغفلها البعض عنه، وهي عمر مؤسس الدولة، المخطط للعمران، المهتم بالعلاقات الحضارية والاجتماعية والاقتصادية، وكيف كان يشغله أمور الناس المعيشية، وكيف كان يفكر فيما في البنية التحتية للدولة؟.
عمر العادل:
روى الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ".
واشتهر عمر بعدله، وبقضاء حوائج الناس، ولعل من أشهر ما روي عن عدله، المرأة المسيحية التي جاءته تطلب سداد دينها عنها وهي بلا زوج أو ولد، فطلب منها الدخول الإسلام إلا أنها أبت، فلام عمر نفسه من أن تحسبه المرأة يساومها على الإسلام مقابل سداد ديونها فعاد إليها وهو خليفة المسلمين ليعتذر منها ويطلب منها العفو عما بدر منه ويوافق على سداد دينها من بيت مال المسلمين.
وروى طلحة بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب خرج ليلة في سواد الليل فتبعته فدخل بيتًا، فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقلت لها ما بال هذا الرجل يأتيكِ فقالت إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا يأتيني بما يصلحني ويخرج عنى الأذى (أي الأوساخ) فقلت لنفسي ثكلتك أمك يا طلحة أعثرات عمر تتبع.
مر عمر على الناس متسترًا ليتعرف أخبار رعيته، فرأى عجوزًا فسلم عليها، وقال لها ما فعل عمر؟ قالت: لا جزاه الله عني خيرًا، قال: ولم؟، قالت : لأنه - والله - ما نالني من عطائه منذ ولي أمر المؤمنين دينار ولا درهم، فقال لها: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ قالت: سبحان الله ! والله ما ظننت أن أحدًا يلي عمل الناس ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها. فبكى عمر ثم قال: وا عمراه ! كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر، ثم قال لها: يا أمة الله، بكم تبيعني ظلامتك من عمر؟ فإني أرحمه من النار قالت: لا تهزأ بنا يرحمك الله.
فقال لها: لست بهزاء.... ولم يزل بها حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين دينارًا، وبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فوضعت العجوز يدها على رأسها وقالت: واسوأتاه أشتمت أمير المؤمنين في وجهه! فقال لها عمر: لا بأس عليك رحمك الله، ثم طلب رقعة يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من ثوبه وكتب فيها.
" بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي إلى يوم كذا وكذا بخمسة وعشرين دينارًا ، فما تدعى عند وقوفه في المحشر بين يدي الله تعالى فعمر منه بريء"، وشهد على ذلك علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود ورفع عمر الكتاب إلى ولده وقال: "إذا أنا مت فاجعله في كفني ، ألقى به ربي".
ديوان العطاء
قرر عمر رضى الله عنه لكل مسلم، مخصصات مالية مستمرة، سواء أكان رجلاً أم امرأة، كبيرًا أم صغيرًا، حتى للطفل الرضيع، كما شملت هذه التأمينات الفقراء من غير المسلمين، وعندما بدأ بتسجيل أسماء الناس قال: بمن نبدأ؟ قال له عبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك. قال: لا، بل نبدأ ببني هاشم وبني المطلب. وفرض للعباس ثم لعلي رضي الله عنهما، ثم الأقرب فالأقرب من رسول الله، ثم قدم أزواج النبي فكان لهن أعلى المخصصات، ثم أهل بدر ثم الذين بعدهم، وعندما قرر راتبًا لأسامة بن زيد أكبر من راتب ابنه عبد الله، قال عبد الله: أسامة ليس أفضل مني، قال عمر: ولكن أسامة أحب إلى رسول الله منك.
وفرض لكل مولود مائة درهم، فإذا ترعرع مائتي درهم، فإذا بلغ رشده زاد له في العطاء. ويقول "والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال".
بناء الدولة:
أولى عمر، اهتمامًا كبيرًا بتطوير الزراعة واستصلاح الأراضي، وأصدر بهذا الشأن حكمًا عامًّا بأن من يصلح الأراضي البور أينما وجدت في جميع أنحاء الدولة، فإن ملكيتها تئول له وإذا لم يصلحها في غضون ثلاث سنوات تسترد منه.
كما أهتم أيضًا بإدارة الري؛ مثل إقامة السدود وبناء القناطر لتوزيع المياه وشق فروع للأنهار، وقد استأذن جزء بن معاوية، عمر ليحفر أنهارًا كثيرة في مراكز الأهواز وخوزستان؛ لاستصلاح كثير من الأراضي غير الصالحة للزارعة.
ومن اهتماماته رضى الله عنه ما يسمى اليوم بـ "المنافع العمومية"، أو البنية التحتية والحالة المعيشية للناس؛ ولهذا أمر بشق الأنهار التي توصل الماء إلى المدن مثل نهر أبو موسى، وكان طوله تسعة أميال.
وكان سبب ذلك أن الأحنف بن قيس اشتكى إلى عمر ملوحة أرض البصرة، فيضطر الناس لإحضار الماء من مسافة ستة أميال، فأمَر عمر أمير البصرة أبا موسى الأشعري بأن يحتفر نهرًا لأهل البصرة يتفرع عن نهر دجلة. وحفر في دجلة أيضًا نهر معقل الذي يضرب به المثل "إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل"، وكلف بمهمة إعداده الصحابي معقل بن يسار، كما حفر قناة أمير المؤمنين في مصر لتربط بين النيل والبحر الأحمر.
وشهد عصر عمر الاهتمام بإعادة بناء وتطوير المدن، ومنها: الكوفة والبصرة والفسطاط والجيزة، ولذلك يلقب رضى الله عنه بأنه (أبو المدن).
التعليم في عهد عمر:
وضع عمر منهجًا للتوثيق، فلا يؤخذ أي مخطوط (آية أو آيات) لا يشهد شخصان على أنه مكتوب وليس من الذاكرة فقط، فجمع بين الحفظ في الذاكرة والكتابة، شاهدين عدلين على الكتابة وشاهدين عدلين على الحفظ (اسم القرآن يدل على القراءة واسم الكتاب يدل على الكتابة).
وبعد أن تم هذا المشروع العظيم، كان الذي يشغل بال عمر هو تعليم المسلمين هذا الكتاب وخاصة الذين أسلموا بعد أن فتحت بلدانهم؛ ولذلك أرسل المعلمين من كبار الصحابة إلى المناطق المفتوحة ليعلموهم دينهم، أرسل عبد الله بن مسعود إلى الكوفة، وعمران بن حصين ومعقل بن يسار إلى البصرة، وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء ومعاذ بن جبل إلى الشام؛ فالفتوحات لا تترسخ وتستقر إلا بأن تنصهر هذه الشعوب في بوتقة الإسلام، ويعيش المسلمون أمة واحدة. وحتى ينتشر العلم في كل مكان، أرسل عمر رجلاً يجول بين القبائل في البادية معلمًا للقرآن، أي أن عمر نشر التعليم الإلزامي.

اضافة تعليق