الجندي.. رفض تجارة الحرير وأدخل صناعة الأثاث في مصر

الخميس، 19 أبريل 2018 10:56 ص
محمد الجندي
محمد الجندي

تحظى بشهرة عالمية في صناعة الأثاث، وتوصف بـ "يابان مصر"، نظرًا لتقديس أهلها للعمل، وتكاد تنعدم فيها نسبة البطالة بين سكانها، موقعها الجغرافي أعطاها ميزة نسبية فهي تطل على البحر المتوسط، والنيل يشق أراضيها ليصب مياهه فيه. 
يوجد أكثر من 200 ألف ورشة لصناعة الأثاث والصناعات الأخرى المترتبة عليها من الدهان والتنجيد والأفران رش الأثاث و"الأويما" وغيرها، وتنتشر في مختلف قرى ومدن محافظة دمياط، ويعمل أكثر من نصف سكان المحافظة في هذه المهن، كما يتوافد المئات من الصناع يوميًا من محافظات مجاورة للعمل بهذه الورش.
وتنتج محافظة دمياط ما يقرب من ثلثي إنتاج الأثاث بمصر ويبلغ إنتاج الإجمالي السنوي 375 ألف حجرة ما بين (نوم، سفرة، صالون،  وانتريه) فضلاً عن إنتاج المطابخ والكرسي، ونظرًا لجودة المنتج الدمياطي من الأثاث فقد وجد له مكانًا على الخريطة التصديرية منذ سنوات لينافس الإنتاج العالمي ويتفوق عليه.
ويعد محمد فهيم الجندي، أول من أدخل صناعة الأثاث في مصر، وكان الابن البكر للسيد الجندي، أحد أبناء عائلة الجندي العريقة التي تمتد جذورها وأصولها إلى الحجاز وتركيا ومصر، واشتهرت بالأدباء والشعراء والقادة العسكريين والأمراء. 
وبينما كانت عائلته تعمل في تجارة الحرير، سلك هو مسلكًا آخر حيث يعشق الأثاث منذ نعومة أظافره، واختلف مع والده الذى كان مُصٌرًا على أن يستكمل مسيرته لكنه أصر على تحقيق حلمه.
كانت صناعة الأثاث وقتها شيئًا جديدًا غير مألوف، وربما هذا ما أثار رفض أسرته لاشتغاله بها، لكنه أصر على العمل بالمهنة التي يعشقها، الأمر الذي يعزو نجله لاختلاطه بأجانب وأصدقاء من دول أخرى، وبدأ يطور من تأثيث المنازل وكان الخشب حينها لا يأتي من الخارج، بل كان خشب شجر ويقوم الصانع بتطويره وتشكيله ليستخدمه في صناعة الموبيليا.
توسع نشاط الجندي، فأقام ورشتين، ومدرسة لصناعة الأثاث حتى بات يصنع الأثاث في دمياط ويقوم بعرضه في القاهرة، حيث افتتح أول معرض له عام 1926، وبدأ يصنع غرف نوم كاملة واستعان حينها بعمالة دمياطية للعمل معه في معرضه بعدما علمهم أصول المهنة من الألف للياء في ورشه بدمياط.
إلا أنه لم يكن نقل الموبيليا من دمياط للقاهرة بالأمر اليسير، حيث كان وقتها هناك بعدم تشغيل سيارات النقل إلا داخل المحافظات وليس بين محافظة والأخرى علاوة على صعوبة النقل في فصل الشتاء لكون الطرق غير ممهدة، وكان على صلة بوزير الداخلية والذي منحه تصريحًا لنقل شحنات الأثاث المصنع الفاخر من دمياط للقاهرة.
فكر الجندي في تطوير سيارة النقل كي تتمكن من نقل الأثاث دون تعرضه للتلف بسبب العوامل الجوية، وصنع أول سيارة مقفولة والمسماة بصندوق للحفاظ على الأثاث من المطر وكان ذلك عام 1926.


كان يعتمد على علاقاته بكبار المسؤولين الذين يشترون من معرضه "الموبيليا" في تسويق الأثاث الذي يصنعه، فكل من كان يشتري منه يروي لأصدقائه وهكذا تعرف الجميع على الشاب الدمياطي البسيط الذي سعى لإدخال صناعة لم تكن موجودة من قبل، حتى ذاع صيته وشارك بمعارض دولية بفرنسا وإيطاليا، وشارك في معارض عالمية وتفوق على ملوك الصناعة في العالم وحصد ميداليتين ذهبيتين بإيطاليا وفرنسا، وكان أول مصري يحصل على شهادة الدبلوم في صناعة الأثاث من روما وباريس.
وقد أرسل إليه الملك فاروق، إسماعيل صدقي باشا للتعرف عليه ودعوته لمقابلته، لكي يقوموا بتجهيز قصر القبة من الموبيليا التي يصنعها، لكنه رفض، حيث كان يؤمن بمقولة: "البعيد عن السلطان سلطان"، وكان يرددها دائمًا، وحينها قال: "وأنا هروح أقابل الملك ليه ورئيس الوزراء شاهد شغلي ومعرضي لو عايزين شغل يجيوا يشتروه ويفرشوا القصر غير كده لأ"، وظل محتفظًا بالبدلة التي أعدها للقاء الملك، ثم تراجع وشارك عقب ذلك في المعرض الزراعي الصناعي في القاهرة وحصد الميدالية الذهبية وذاع صيته داخل وخارج مصر.
وقاد الجندي تطوير صناعة الاثاث في بداية القرن العشرين في مصر متزامنا مع عصر النهضة في صناعة الأثاث بأوربا. وكرمته الدولة المصرية في المؤتمر القومى الثاني للصناعات الخشبية والاثاث في محافظة دمياط بمصر عام 1986.


اضافة تعليق