الشيخ مصطفى إسماعيل.. تعلّم المقامات الموسيقية وقرأ بها القرآن

الخميس، 19 أبريل 2018 10:07 ص
4

كان موهبة استثنائية في تاريخ القراء في مصر، لم يكن يمتاز بجمال الصوت وحسب، بل نمى موهبته الفطرية بدراسات المقامات الموسيقية التي كان يمتاز بها في تلاوته، تاركًا وراءه إرثًا عظيمًا من التسجيلات بلغ 1300 تلاوة لا تزال تبث عبر إذاعات القرآن الكريم.
الشيخ مصطفى إسماعيل هو واحد من أبرز شيوخ التلاوة في مصر والعالم الإسلامي، أتقن المقامات، وقرأ القرآن بأكثر من 19 مقامًا بفروعها وبصوت عذب وأداء قوي، وقد عُرف عنه أنه صاحب نَفَس طويل في القراءة التجويدية.
وقد استطاع أن يمزج بين علم القراءت وأحكام التلاوة وعلم التفسير وعلم المقامات، وكان يستحضر حجة القرآن في صوته ويبثها في أفئدة المستمعين لاستشعار جلال المعنى القرآني.
سجَّل بصوته تلاوة القرآن الكريم كاملاً مرتلاً، ركّب في تلاوته النغمات والمقامات بشكل استحوذ على اعجاب المستمعين، وكان ينتقل بسلاسة من نغمة إلى أخرى، ويعرف قدراته الصوتية بشكل جيد، وكيف يستخدمها فی الوقت المناسب.
وهو من مواليد قرية ميت غزال مركز طنطا محافظة الغربية في 17 يونيو 1905، كان أبوه فلاحًا وقد ألحقه بكتاب القرية عندما بلغ خمس سنوات وقد استرعى انتباه شيخه ومحفظه الشيخ عبدالرحمن النجار بسرعة حفظه للقرآن مع حلاوة التلاوة في هذه السن المبكرة، إلا أنه كان كثير الهرب من الكتاب حيث يلتقي بالطفل ابراهيم الشال زميله بالكتاب أيضًا ويهربان سويا ويهبان إلى قرية دفرة التي تبعد عن قرية ميت غزال بحوالي سبعة كيلومترات حتى لا يراهما أحد من أهل القرية.
إلا أن حظهما كان دائمًا عثرًا وبخاصة أن الطفل مصطفى إسماعيل يعرفه كل أبناء القرية لما تتمتع به عائلته من أصالة وعراقة، ولأن قرية دفرة كانت قريبة من قريتهما فقد كان أهل قرية ميت غزال يهبون لقضاء حاجياتهم، وكان الناس يهبون به شيخه بالكتاب ويقصون عليه ما رأوه من لعبه مع زميله إبراهيم الشال، فكان شيخهما يضربهما ضربًا مبرحًا وبخاصة الطفل مصطفى إسماعيل ويأخذه ويذهب به إلى جده الحاج إسماعيل، عميد العائلة وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيها فيضربه هو الآخر، إلى أن تاب عن الهروب من الكتاب مرة أخرى.
وبدأ يلتزم في الحفظ خشية العقاب من جده، حتى أتم حفظ القرآن قبل أن يتجاوز الثانية عشر من عمره، وبينما كان يقرأ القرآن بالكتاب، إذ إستمع إليه مصادفة أحد المشايخ الكبار في علوم القرآن وكان في زيارة لقريب له بالقرية فانبهر بآدائه وعذوبه صوته، وسأل شيخه ومحفظه عنه وعن عائلته فذهب إلى جده، وأخبره بأن حفيده سيكون له شأن عظيم إذا نال قدرًا كافيًا من التعليم لأحكام القرآن ونصحه بأن يذهب به إلى المسجد الأحمدي بمدينة طنطا ليزداد علمًا بأحكام الترتيل والتجويد والقراءات.
التحق الشيخ مصطفى بالمعهد الأحمدي ليتعلم القراءات السبع وأحكام التلاوة، وقد حظي بشهرة كبيرة عن أقرانه، لما كان يتميز عنهم بحلاوة الصوت وعذوبته، حتى كثر الطلب عليه لإحياء الحفلات والسهرات، لكنه ترك الدراسة بالمعهد بعد أن تجاوز ثلثي مدة الدراسة، وأبلغ زملاؤه جده بالأمر ما كان إلا أن حضر حيث يقيم وضربه بعصا كانت معه، حتى يعود للدراسة بالمعهد، وحاول الشيخ مصطفى أن يثني جده عن رأيه فقال له: هل تحب الشيخ محمد رفعت؟ فأجابه: نعم.. فقال: وهل تحب أن أكون مثله؟ فرد: نعم.. فقال: دعني في طريقي الذي اخترته لنفسي وسوف أحقق لك هذا الأمل إن شاء الله.
وبينما هما يتحدثان إذا ببعض الرجال يدخلون عليهما الغرفة يطلبون مقابلة الشيخ مصطفى للاتفاق معه على إحياء سهرة لديهم، فاشترط عليهم بأن يكون أجره في تلك الليلة جنيهًا مصريًا، فوافقوا ففرح جده كثيرًا به، وتأكد له أن لصوت حفيده عشاقًا فعانقه وقبله. وأعطى الشيخ مصطفى جده ثلاثين جنيها وطلب منه أن يشتري له أرضا زراعية "نصف فدان" بقرية ميت غزال فشعر الشيخ مرسي أن حفيده أصبح رجلاً يعتمد عليه، وتركه جده وهو فخور به راض عنه.
كان الشيخ مصطفى قد ذاع صيته في محافظة الغربية، وأنه صاحب مدرسة جديدة في الأسلوب لم يسبقه إليها أحد وكان له صديق يكبره سنًا يحب الاستماع إليه ويشجعه يسمى القصبي بك، وقد أحضرت أسرته عند وفاته في عام 1922، الشيخ محمد رفعت ليقراء في عزائه، وكانت بداية معرفته به، بعد أن أعطاه الفرصة ليقرأ بعد الانتهاء من التلاوة، فانبهر به وبقراءته وأعجب بآدائه وصوته، فأرسل إليه يطلب منه أن يستمر في التلاوة ولا يتوقف حتى يأذن له هو بذلك مما زاد من ثقته، فظل يقرأ مدة تزيد على الساعة ونصف الساعة وسط تجاوب الحاضرين وإعجابهم، حتى أن الناس خرجوا عن شعورهم وبدأوا يحيونه بصوت مرتفع يطلبون منه الزيادة والإعادة إلى أن أذن له الشيخ رفعت بختم وصلته ففعل فقبله وهنأه وقال له: "اسمع يا بني أنا حأقولك على نصيحة إذا عملت بها فستكون أعظم من قرأ القرآن في مصر، فأنت صاحب مدرسة جديدة ولم تقلد أحدًا وحباك الله بموهبة حلاوة الصوت والفن التلقائي الموسيقي دون أن تدرس في معهد موسيقي وأنت مازلت صغيرًا في السن ولكن ينقصك أن تثبت حفظك بأن تعيد قراءة القرآن على شيخ كبير من مشايخ المسجد الأحمدي.. فأخذ الشيخ مصطفى على نفسه عهدًا بأن يذهب إلى المسجد الأحمدي بمدينة طنطا ليتعلم ويستزيد كما طلب منه الشيخ رفعت فالتحق بالمعهد الأحمدي وعمره لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد".
وقد فتحت أبواب الشهرة أمام الشيخ مصطفى وذاع صيته في القاهرة، مع بداية عام 1943، بعد أن التقى بالشيخ محمد الصيفي، وطلب منه أن يقرأ عليه بعض آيات من القرآن فقرأ في سورة الفجر فاستعذب صوته، وطلب منه أن يأتي إليه في اليوم التالي ليتيح له فرصة التعرف على كبار القراء، فذهب إليه وكانت الإذاعة في ذلك اليوم ستنقل حفلاً على الهواء من مسجد الإمام الحسين رضي الله عنه، وكان القاريء الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي إلا أنه تخلف فما كان من الشيخ الصيفي، إلا أن أجلس الشيخ مصطفى علي دكة القراءة ليقرأ فرفض المسؤلون لأنه غير معتمد في الإذاعة، فقال لهم الشيخ الصيفي: دعوه يقرا على مسؤليتي الخاصة.
فقرأ في سورة التحريم لمدة نصف ساعة بدأت من الساعة الثامنة حتى الثامنة والنصف وسط استجابة الجمهور وما أن انتهى من قراءته حتى أقبل عليه الجمهور يقبله ويعانقه وبينما هو يستعد لمغادرة المسجد، إذ طلب منه الحاضرون بأن يستمر في القراءة فظل يقرأ بعد ذلك حتى انتصف الليل والناس يجلسون في خشوع وإجلال لآيات الله.
وصادف أن الملك فاروق استمع لتلاوته فاختاره أن يكون قارئًا للقصر الملكي، كما تم تعيينه قارئًا للسورة يوم الجمعة بالجامع الأزهر، حيث كانت الإذاعة تنقل الصلاة منه، ولم يكن قد تم اعتماده بالإذاعة، وكان يعرف عنه نزاهته في الملبس والمأكل والمشرب، فاختار فندق "شبرد" للإقامة فيه، وكان إيجار الغرفة في الليلة الواحدة أربعة جنيهات في ذلك الوقت وهو مبلغ يكفي لإعاشة فرد واحد لمدة شهر كامل.
في عام 1958، طلب شابان فقيران من الشيخ مصطفى أن يقرأ في عزاء والدهما وكان قد أوصاهما بذلك، فاستجاب الشيخ لهما، وبعد الانتهاء من القراءة وبينما كان في طريق العود، إذ بعمال شركة غزل المحلة يرفعون السيارة التي كان يستقلها فوق أكتافهم تكريما له، وقد تنازل الشيخ عن أجره في تلك الليلة .
وزار الشيخ مصطفى، 25 دولة عربية وإسلامية وقضى ليالي شهر رمضان المعظّم وهو يتلو القرآن الكريم بها، كما سافر إلى جزيرة سيلان، وتركيا وماليزيا، وتنزانيا، وزار أيضًا ألمانيا والولايات المتحدة.
وزار مدينة القدس عام 1960، وقرأ القرآن الكريم في المسجد الأقصى في إحدى ليالي الإسراء والمعراج. وكان الرئيس محمد أنور السادات من المحبين لسماع صوته، حتى إنه كان يقلد طريقته في التلاوة عندما كان مسجونًا، كذلك اختاره ضمن الوفد الرسمي لدى زيارته للقدس سنة 1977، وهناك قام ثانية بقراءة القرآن الكريم في المسجد الأقصى.
حصل الشيخ مصطفى على وسام الاستحقاق من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وعلى وسام الأرز من لبنان عام 1958، ووسام الفنون عام 1965، ووسام الامتياز عام 1985 من الرئيس الأسبق حسني مبارك، ووسام الاستحقاق من سوريا، كما حصل على أعلى وسام من ماليزيا، ووسام الفنون من تنزانيا.
كان أغلى أمانيه ألا يلقى الله إلا وهو يقرأ القرآن وكان آخر ما دعى به ربه قبل وفاته بثلاث شهور اللهم لاتحرمني من التلاوة حتى ألقاك، وقد تحقق له ما أراد فكان آخر شيء فعله قبل وفاته هو تلاوة القرآن الكريم في إحدى السهرات الخارجية بمدينة دمياط.
وكان يومه الأخير في الحياة هو يوم الجمعة 22 ديسمبر سنة 1978،  حيث سافر من عزبته في قرية ميت غزال الساعة التاسعة صباحا مودعًا ابنته التي كانت تصطحبه هناك متجها إلى بلدة دمياط، للقراءة في افتتاح جامع البحر هناك في ذلك اليوم، وقرأ تلاوته الأخيرة.

اضافة تعليق