الهدهد.. مدير مخابرات؟!

الأربعاء، 18 أبريل 2018 11:22 م
الهدهد في القرآن

كانت رحلة مختلفة عن كل رحلاته التي قام بها من قبل، أثار غيابه انتباه سيدنا سليمان عندما جمع الطيور ذات يوم في مجلسه الذي كان يجلس فيه، ولم يجد بينهمم، فسأل عنه، "وتفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ".
كيف يجرؤ أن يغيب عن مجلسه، وهو الذي كان يخافه الجن ويهابه، حتى بعد أن مات ظل يعمل في خدمته وهو لا يعلم بموته، لا بد أن الأمر جلل، فاغتاظ سليمان من فعلة الهديد، وتوعده بأشد العذاب "لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ".
لم يطل الغياب، وصل الهدهد من رحلته فلما جاء وعلم بوعيد سليمان سارع إليه ليخبره عن سبب غيابه، وأنه لم يكن ليغيب عن مجلسه إلا لعذر قهري، فكان عذره موجودًا، ولغيابه سبب مقنع، "فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ".
استخدم الحجة في مواجهة سليمان، وكأنه يقول له: قد ألممت على ضعفي بما لم تستطع أن تعلم به على علمك، لم ينشغل بإرضائه، ولو كان لم تأخر عن حضور إلى مجلسه، فهو لديه قضية كبرى، استخدم فيها القاعدة الفقهية المشهورة: "إذا تزاحمت المصالح يقدم الأعلى من المصالح"، فقدم الدعوة إلى الله على الحضور عند سليمان.
نقل الهدهد الصورة كما رآها بعينها، لم يزد أو ينقص شيئًا، وذلك من صدقه، فالأمانة تقتضي أن ينقل الإنسان ما يراه بعينه، وأن يجسد الصور كما هي، فنقل له صورة مرئية، في وقت لم تكن هناك فيه أقمار صناعية أو تليفزيونات تنقل ما يدور في كل بقاع الأرض من أحداث وتفاصيل.
كان هذا الطائر "الهدهد"، يقوم بتلك المهمة وحده لا يساعده فيها أحد، تحدث إلى سليمان عما رآه بعينه، وقال له إنه وجد امرأة تقود جيشًا كبيرًا بأرض يقال لها (سبأ)، وهذه المرأة تملك من متاع الدنيا وزينتها ما يحتاج إليه الملك القوي، ولها عرش "سرير" عظيم مرصع بالجواهر واللآلئ الثمينة داخل قصر عظيم، وأنها وقومها يعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله تعالى.
ينقل القرآن تفاصيل ما دار بين الهدهد وسيدنا سليمان، فيقول: "إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍوَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ *  وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِندُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِالسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ".
تعجب الهدهد من عبادتهم لغير الله، وكيف أن الشيطان أعمى بصائرهم وأفهامهم: "أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ".
أقام البينة والحجة على بشر يعقلون لكنهم ضلوا عن عبادة الله الأحد، استنكر عليهم صنيعهم في أن يعبدوا غيره، وهو الذي يخرج لهما خبء السماء والأرض من الأرزاق, والمطر من السماء, والنبات من الأرض.
وفي الآيات دليل على سمو أخلاق نبي الله سليمان عليه السلام, في تواضعه في قبول خبر الهدهد وحسن ظنه عندما قال "سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ".
أرسل سليمان، رسالة إلى الملكة بلقيس يدعوها إلى عبادة الله وحده لا شريك له هى وقومها، كلف بحملها الهدهد "اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ"، فأوصلها دون أن يراه أحد.
قرأت الملكة بلقيس فحوى الرسالة، وأرسلت إلى مستشاريها تطلب منهم النصح والإرشاد فيما يتعين عليها أن تفعله، "قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ".
لم تأخذ بأي من نصائحهم، لقد اختارت الحل الدبلوماسي، فضلت الطرق السلمية عن ان تدخل في مواجهة غير محسومة، ردت على الرسالة المرسلة إليهعا بهدية ثمينة أرسلتها إلى سليمان، حتى ترى ماذا سيكون رد فعله، "وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ".
ظنت أنه مثل كل الملوك يسعى وراء الحصول على المكاسب الدنيوية، يفرح لهدية يتلقاها، لكنه ما أغناه عن هديتهم، وقد أغناه الله من فضله: "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي"، رد عليهم الهدية، وقال في لهجة حاسمة: "فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ".
رد بالوعيد والتهديد على الهدية التي حملها وفد بلقيس إليه، وطلب من جنوده أن يحضر أحدهم عرشها ليختبرها هل ستعرفه أم له، وأراها من الآيات والبيات ما يدل على انه نبي من عند الله حتى تؤمن بالله عز وجل، "قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ".
أتى له الذي عنده علم بالكتاب بعرشها، وطلب من جنوده تغيير معالمه، "قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ *  قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، فكانت هذه خير نهاية للمهمة التي قام بها الهدهد، أن أسلمت ملكة سبأ وقومها، ووثق القرآن ذلك في آيات تتلى إلى يوم الدين.

اضافة تعليق