الغراب.. مُعلِّم الإنسان الدفن

الأربعاء، 18 أبريل 2018 11:19 م
الغراب في القرآن

كانت أول جريمة قتل في البشرية تلك التي ارتكبها قابيل بحق أخيه هابيل، بدافع الغيرة والحقد والكراهية، لم يرتض حكم الله بينهما، واحتكم إلى شيطانه، فجعله يقتل أخاه بغيًا عليه وحسدًا له على ما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة.
وكان أن الله تعالى قد شرع لآدم عليه السلام، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، حيث كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانًا، فمن تقبل منه فهي له، فقربا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه.
"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لا قتلنك قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأ بإثمي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِن الْخَاسِرِينَ".
ولما قتل قابيل أخاه هابيل تركه بالعراء، لا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه "فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ"، فلما رآه "قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ".
قال الضحاك عن ابن عباس: "مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة، حتى بعث الله الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال: "أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب" فدفن أخاه.
وقد بعث الله تعالى غرابًا يوارى سوءة أخيه، ليبين للإنسان ضعفه وقلة حيلته حتى إنه ليعجز عن أن يتصرف كما تصرف الغراب وهو الطائر الوحيد الذى يقوم بدفن موتاه بل وهو الحيوان الوحيد الذي يقوم بهذا الفعل، كما يؤكد العلماء.
الدراسات العلمية أثبتت أن الغراب هو أذكى الطيور وأمكرها على الإطلاق، ويملك أكبر حجم لنصفي دماغ بالنسبة إلى حجم الجسم في كل الطيور المعروفة.
ولعالم الغربان قوانينه الخاصة، إذ تحاكم الجماعة أي فرد يخرج على نظامها حسب قوانين العدالة الفطرية التي وضعها الله سبحانه وتعالى له ، ولكل جريمة عند جماعة الغربان عقوبتها الخاصة بها.
جريمة اغتصاب طعام الأفراخ الصغار: تقوم جماعة من الغربان بنتف ريش الغراب المعتدي حتى يصبح عاجزًا عن الطيران كالأفراخ الصغيرة قبل اكتمال نموها.
وجريمة اغتصاب العش أو هدمه: تكتفي محكمة الغربان بإلزام المعتدي ببناء عش جديد لصاحب العش المعتدى عليه، أما جريمة الاعتداء على أنثى غراب أخر: تقضي جماعة الغربان بقتل المعتدي ضربًا بمناقيرها حتى الموت.
وتنعقد المحكمة عادة في حقل من الحقول الزراعية أو في أرض واسعة، تتجمع فيه هيئة المحكمة في الوقت المحدد، ويجلب الغراب المتهم تحت حراسة مشددة، وتبدأ محاكمته فينكس رأسه، ويخفض جناحيه، ويمسك عن النعيق اعترافًا بذنبه.
فإذا صدر الحكم بالإعدام، قفزت جماعة من الغربان على المذنب توسعه تمزيقًا بمناقيرها الحادة حتى يموت، وحينئذ يحمله أحد الغربان بمنقاره ليحفر له قبرًا يتوائم مع حجم جسده، يضع فيه جسد الغراب القتيل ثم يهيل عليه التراب احترامًا لحرمة الموت.
هكذا تقيم الغربان العدل الإلهي في الأرض أفضل مما يقيمه كثير من بني آدم فيا سبحان الله سبحان الله سبحان الله.
وقد أثبتت الدراسات العلمية تمتع الغراب بذكاء حاد إلى ما هو أكثر من دفن الموتى، فقد قام فريق بريطاني بأخذ احد إناث الغربان إلى أحد المعامل، ووضعوا لحم مهروس داخل أنبوبة اختبار، وبالقرب منها قطعة من السلك المعدني الطويل، وتركوا الغراب مع هذه الأدوات داخل المعمل وقاموا بتصوير ما يحدث.
فوجدوا بعد أقل من 10 دقائق أن أنثى الغراب قامت بثني نهاية السلك المعدني ليصبح مثل الخطاف وأدخلته برجلها إلى داخل أنبوبة الاختبار، ثم قامت بسحب اللحم المهروس من داخلها ثم التهمتها، فاعتقدوا أنها فعلت ذلك صدفة فكرروا التجربة 10 مرات ونجحت أنثى الغراب في العشر مرات في إخراج اللحم والتهامها.
ماذا قال رسول الله عن الغراب؟
روى الإمام البخاري بسنده عن عائشة –رضي الله تعالى عنها – عن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: "خمس فواسق يقتلن فى الحرم: الفأرة والعقرب والحديا والغراب والكلب العقور".
روى الإمام مسلم بسنده عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه : العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة".
روى الإمام أحمد وأورد ابن حجر العسقلانى في فتح الباري رواية فيها تحديد لشكل الغراب عن عائشة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم : الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والعقرب والحدأ".
وكان أهل الجاهلية يتشاءمون بالغراب فكانوا إذا نعب، قالوا: آذن بشر، وإذا نعب ثلاثًا قالوا: آذن بخير، فأبطل الإسلام ذلك، وكان ابن عباس إذا سمع الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "التطير هو التشاوم من الشيء المرئي او المسموع، فاذا استعملها الانسان فرجع بها من سفره، وامتنع بها مما عزم عليه... فقد قرع باب الشرك، بل ولجه، وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، والتطير مما يراه، او يسمعه، وذلك قاطع له عن مقام (اياك نعبد واياك نستعين) و(فاعبده وتوكل عليه) و(عليه توكلت واليه انيب)، فيصير قلبه متعلقًا بغير الله، عبادة، وتوكلاً، فيفسد عليه قلبه، وايمانه، وحاله".

اضافة تعليق