كلب أهل الكهف.. عنوان للوفاء

الأربعاء، 18 أبريل 2018 11:11 م
الكلب في القرآن

في مدينة تدعى "أفسوس"، كان يعيش ملك ظالم كافر بالله يعبد الأوثان، ومن بين شعبه راع يعبد الله سرًا هو وعدد من أصحابه وكان يصلي إلى الله عندما يرعى غنمه بعيدًا عن الأعين، وفي أحد الأيام رأى كلبًا لا يقوى على المشى فعطف عليه وأعطاه من طعامه وشرابه فأصبحا صديقين وأطلق عليه اسم "قطمير".
صار "قطمير" يحافظ على غنم الراعي ويرعاهم ويصاحبهم في كل الأوقات، بينما ذهب الراعي لقصر الملك لإعطائه خراف، صرخ فيه الملك قائلًا:" أيها الراعي راقبتك مرارًا ولم أرك تسجد لآلهتنا" فتحجج الراعي بأن نظره ضعيف ولم يعد يرى الآلهة، وانصرف مسرعًا.
وفي أحد الأيام، قرر ذلك الملك الطاغي بأن يتخلص من كل من لا يعبد الآلهة ويقوم بتمزيق جسده، فعرف وزيره بذلك القرار والذي كان يعبد الله وحده لا شريك له، فأسرع إلى الراعي وبقية رفاقه ليخبرهم بذلك القرار.
اتفق الوزير مع بقية من آمن بالله تعالى أن يقضوا نهارهم في أحد الكهوف وعندما يسدل الليل ستائره يسرعون خارج البلاد حتى ينقذوا أنفسهم من قبضة ذلك الملك الطاغي. كانوا ستة رجال و"قطمير" صديق الراعي، ما إن وصلوا الكهف حتى تفرقوا وناموا من شدة الخوف والتعب.
وعندما رأى الكلب منظرهم، خاف أن يعثر عليهم حراس الملك، فاتّجه إلى فتحة الكهف، وفتح يديه ورجليه، معترضًا طريق من يتقدم إلى الكهف، ومتخذًا وضعية الحراسة.
مرت الأيام والراعي ورفاقه وكلبه نائمين على هيئة متيقظين، إلى أن استيقظ الكلب من نومه وذهب ليوقظ صاحبه وعندما شاهده فزع من شكله الذي تغير وشعره الذي طاله المشيب فأخذ ينبح من شدة الخوف، فاستيقظ الراعي من نباح قطمير وانتبه إلى شكله فأسرع إلى رفاقه الذين تغير شكلهم مثله.
وبعد جدال عن عدد الأيام التي قضوها داخل الكهف شعروا بالجوع فذهب الراعي ليحضر بعض الطعام، ولكنه استعجب من معالم المدينة التي تبدلت وتغيرت، فأخرج عملة من جيبه كان الملك أعطاه إياها ليشترى الطعام ولكن البائع لم يتعرف على العملة وأعطاها لغيره من البائعين لعل أحدهم يتعرف عليها.
وبالحديث مع البائعين، علم الراعي أنه رقد هو وأصحابه ثلاثمائة عام داخل الكهف، فأحضروه إلى ولي أمرهم وهو الحاكم (يندوسيس) فسأله عن حاله وما قصة النقود التي معه، فأخبره بكل ما جرى معه ومع أصحابه، كان الملك يستمع إليه وهو في غاية من الدهشة، ثم طلب من الراعي أن يرى الكهف الذي فيه الرجال الستة. طلب الراعي من الملك أن يدخل الكهف أولًا ليعلم رفاقه بقدوم الملك، ولكنه دخل ولم يخرج، فقرر الملك أن يرى ما حل به إذ به يلقاه وهو وأصحابه راقدين ولكنها كانت الرقدة الأخيرة هذه المرة، فخرج الملك من الكهف يسبح بحمد الله وأمر بأن يبنى عليهم مسجد. 
وقال المفسرون إن الحكمة من وجود الكلب مع هؤلاء الفتية هو أنه الحيوان الذي يتمتع بصحبة البشر وحماية أملاكهم وأرواحهم، ولقد منّ الله تعالى عليه ليشاركهم تلك المعجزة الخالدة ويغفو معهم 309 سنوات وهو على باب الكهف لكي يحرسهم من الأعداء والحيوانات المتوحشة.
وقد أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطًا ذراعيه بالوصيد، أي الباب، أو فنائه، وكما ذكرهم الله ذكر كلبهم، يقول ابن كثير: "وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن".
يقول الله تعالى في الحديث عن هؤلاء الفتية في سورة "الكهف"، الأول: "وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ"، والثاني في قوله: "سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً".
والكلب يتسم بحاسة شم قوية، ولهذا يتم تدريبه على مهام أخرى غير الحراسة مثل الكشف عن المخدرات والمفرقعات والمفقودين في حوادث الزلازل والحرائق، وبعض الكلاب لديها حاسة سمع قوية تمكنها من التنصت على الأصوات التي لا يسمعها الإنسان.
والإنسان مأمور بالترفق بالكلب والحيوانات عمومًا، والدليل قصة ذلك الرجل الذي سقى الكلب فكافأه الله بالجنة، بعد أن أرضى الله تعالى برقة طبعه وحسن خلقه مع الكلب الذي كاد يوشك على الهلاك بسبب العطش، فسقى الرجل له.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه، حتى رقى فسقى الكلب، فشكر له، فغفر له قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرًا فقال في كل كبدٍ رطبةٍ أجر"، وفي رواية للبخاري: "فشكر الله له، فغفر له، فأدخله الجنة"  .
وكان في القاهرة في وقت من الأوقات أماكن مخصصة لسقاية الكلاب، "أما الفقراء فكانوا يضعون أمام بيوتهم ما يسمى "ميلغة الكلب"، وهو عبارة عن حجر صغير مجوف يُمْلأ بالماء، حتى تشرب منه الكلاب التي لا تستطيع الشرب من أحواض الدواب الكبيرة، ومازالت هذه الأحجار موجودة أمام بيوت البعض خاصة في الأحياء الشعبية بالقاهرة"، (مجلة الوعي الإسلامي، عمائر ومنشآت الرفق بالحيوان، أحمد أبوزيد).
وذُكر الكلبُ في موضعين آخرين بالقرآن، الأول كوسيلة للصيد في الآية الرابعة من سورة المائدة: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"
فقد كانت الكلاب تستخدم في الصيد، وهو مما أباحه الله تعالى، فقد أجاز أكل ما وقع صيده بواسطة الكلاب المعلمة التي أدبت وعلمتْ الاصطياد لصاحبها، والكلب لا يَصير مُعَلَّمًا إلا عند أمور، وهي: إذا أُرسل استرسل، وإذا أَخذ حَبس ولا يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يَفرَّ منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو مُعلم، أي أن تعليم الحيوان يكون بترك ما يألفه ويعتاده، وعادة الكلب السلب والنهب، فإذا ترك الأكل مرات عرف أنه تعلم.
وإنما يكون الصَّيد صيدًا حلالاً، إذا أَخذ الكلب الصيد وأمسكه حتى يجيئ إليه صاحبه، وكان الصائد قد ذكر اسم الله عند إرساله للصيد، وقد قال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه: "إذا أرسلتَ كلبك المعلَّم وذكرتَ اسم الله فكُلْ" متفق عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان"، أخرجه البخاري ومسلم.
وفي الموضع الثاني الذي ذُكر الكلب في القرآن الكريم كأحد الحيوانات ذات السلوك الطبيعي والسِّمات الجسدية المميزة، وذلك في الآيتين السادسة والسبعين والسابعة والسبعين بعد المائة من سورة الأعراف: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ*َ ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ".
قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء وعطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال المرض وحال الصحة، وحال الري وحال العطش، فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، فقال: إن وعظته ضَلَّ وإن تركته ضَلَّ، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث، كقوله تعالى: "سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ"، وقوله تعالى: "وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ".

اضافة تعليق