قصة الآذان.. من بكاء أهل المدينة لفتح قلوب الغير على الإسلام

الأربعاء، 18 أبريل 2018 02:52 م
قصة الآذان


 "لما دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فتح بيت المقدس وصار إلى الجابية سأله بلال أن يقره بالشام ففعل ذلك، قال : وأخي أبو رويحة الذي آخى بيني وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل داريا في خولان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان فقال لهم : قد أتيناكم خاطبين وقد كنا كافرين فهدانا الله ومملوكين فأعتقنا الله وفقيرين فأغنانا الله، فإن تزوجونا فالحمد لله وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله فزوجوهما.

 

 ثم إن بلالا رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له : ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني يا بلال. فانتبه حزينا وجلا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا له : يا بلال , نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ففعل فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف عليه فلما قال : الله أكبر الله أكبر , ارتجت المدينة، فلما أن قال : أشهد أن لا إله إلا الله، ازداد رجتها، فلما أن قال : أشهد أن محمدا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن وقالوا : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رؤي يوما أكثر باكيا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم.

 

 

تلك هي دعوة الأذان التي يدعو بها المسلمون إلى الصلاة، وتلك هي الدعوة الحية التي تنطق بالحقيقة الخالدة ولا تومئ إليها، وتلك هي الحقيقة البسيطة غاية البساطة، العجيبة غاية العجب؛ لأنها أغنى الحقائق عن التكرار، وأحوج الحقائق إلى التكرار بين شواغل الدنيا وعوارض الفناء.

 

 

ففي الطفولة نسمع الأذان ولا نفهمه، ولكننا نميزه حين يحيط بنا بين دعوات هذه الأرض وبين صيحات اللعب وصيحات البيع والشراء، أما الغرباء عن البلاد وعن عقيدة الإسلام فما يلفتهم شيء من شعائر العبادة الإسلامية كما يلفتهم صوت الأذان على المآذن العالية، كيفما اختلف الترتيل والتنغيم.

 

يقول المستشرق إدوارد وليام لين صاحب كتاب (أحوال المصريين المحدثين وعاداتهم) : إن أصوات الآذان أخاذة جدٍّا، ولا سيما في هدأة الليل.

 

ويقول المستشرق جيرار دي نرفال في كتابه سياحة بالمشرق : إنني لأول مرة سمعت فيها صوت المؤذن الرخيم الناصع خامرني شعور من الشجو لا يوصف. وسألت الترجمان: ماذا يقول هذا الهاتف؟

فقال: إنه ينادي أن لا إله إلا لله. قلت: فماذا يقول بعد هذا؟

فقال: إنه يدعو النيام قائلًا: يا من ينام توكل على الحي الذي لا ينام …

 

وأنشأ الكاتب المتصوف لافكاديو هيرن رسالة وجيزة عن المؤذن الأول بلال بن رباح فقال: "إن السائح الذي يهجع لأول مرة بين جدران مدينة شرقية، وعلى مقربة من إحدى المنائر، قلما تفوته خشعة الفؤاد لذلك الجمال الموقور الذي ينبعث به دعاء المسلمين إلى الصلاة … وهو لا شك يستوعب في قلبه إذا كان قد هيأ نفسه للرحلة بالقراءة والمطالعة كل كلمة من كلمات تلك الدعوة المقدسة، ويتبين مقاطعها وأجزاءها في نغمات المؤذن الرنانة، حيثما أرسل الفجر ضياءه المورد في سماء مصر أو سورية وفاض بها على النجوم. وإنه ليسمع هذا الصوت أربع مرات أخرى قبل أن يعود إلى المشرق ضياء الصباح: يسمعه تحت وهج الظهيرة اللامعة، ويسمعه قبيل غياب الشمس والمغرب يتألق بألوان القرمز والنضار، ويسمعه عقيب ذلك حين تنسرب هذه الألوان الزاهية في صبغة مزدوجة من البرتقال والزمرد، ثم يسمعه آخر الأمر حين تومض من فوقه ملايين المصابيح التي ترصع بها تلك القبة البنفسجية فوق مسجد لله الذي لا يزول".

 

وقد يلمس المسلمون أثر الأذان البالغ في روع كثير من السائحين والسائحات الذين ينزلون ببلادهم أو يمرون بها، فإنهم كانوا قد سمعوا الأذان مرات في القاهرة والإسكندرية، وربما سمعوه في غيرهما من البلدان الإسلامية، ولكنه كان يفاجئهم بجدة لا تبلى كلما طرق أسماعهم بالليل أو النهار، ولا سيما في أيام الجمعة.

 

ومن جملة الروايات التي جاءت في طبقات ابن سعد وغيرها يُفهم أنهم كانوا قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي عليه السلام: الصلاة جامعة! فيجتمع الناس … فلما صرفت القبلة إلى الكعبة تذكر المسلمون الأمر فذكر بعضهم البوق وذكر بعضهم الناقوس وذكر بعضهم نارًا توقد كنار القرى، ثم تفرقوا على غير رأي، ومنهم عبد لله بن زيد الخزرجي … فلما دخل على أهله فقالوا: ألا نعشيك؟ قال: لا أذوق طعامًا. فإني قد رأيت رسول لله قد أهمه أمر الصلاة، ونام فرأى أن رجلًا مرَّ وعليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس. فسأله: أتبيع الناقوس؟ فقال: ماذا تريد به؟ قال: أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس. فأجابه الرجل: بل أحدثك بخير لكم من ذلك. تقول: الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا لله. أشهد أن محمدًا رسول لله. حي على الصلاة حي على الفلاح. لله أكبر. لله أكبر. لا إله إلا لله. ونادى الرجل بذلك النداء وهو قائم على سقف المسجد، ثم قعد قعدةً ثم نهض فأقام الصلاة.

 

فلما استيقظ عبد لله بن زيد من منامه ذهب إلى النبي عليه السلام فقص عليه ما رأى، فقال له: قم مع بلال فألق عليه ما قيل لك، وجاء الفاروق بعد ذلك فقص على النبي منامًا يشبه ذلك المنام.

 

ولا اختلاف في صيغة الأذان بين الطوائف الإسلامية جمعاء … إلا أن الشيعة مع حي على الصلاة وحي على الفلاح. ويردد « حي على خير العمل » ، يضيفون إليه المالكية التكبير مرتين بدلًا من أربع مرات.

 

ولا اختلاف كذلك في جواز التلحين والترجيع في الأذان ما لم يخلَّ بنطق الكلمات ومخارج الحروف. إلا أن الحنابلة يعلنون الأذان بغير تلحين، ويتصرف الأحناف في بعض الترجيعات.

 

وقد ندب بلال بن رباح للأذان من لحظته الأولى، فلم يسمع لأحد أذانٌ قبله ولم يسبقه إلى ذلك سابق في تاريخ الإسلام، وهو شرف عظيم؛ لأن محمد بن عبد لله كان إمام المسجد الذي كان مؤذنه بلال بن رباح.

 

ومن المتفق عليه في أقوال الصحابة أن بلالًا كان محبب الصوت إلى أسماع المسلمين، وأنهم كانوا يقرنون دعوته بصلاة النبي بهم فيزيدهم هذا خشوعًا لسماع صوته فوق خشوع.

اضافة تعليق