لــ "الحجاج بن يوسف" وجوه كثيرة.. من الجهاد إلى الخوف والرجاء

الأربعاء، 18 أبريل 2018 02:39 م
الحجاج ابن يوسف
الحجاج بن يوسف

لا تمر سيرة القائد التاريخي الحجاج بن يوسف الثقفي، إلا ويستحضر السامع صورة الاستبداد والقمع والقتل والسجن، التي اشتهر بها حكم الحجاج، حتى أنه أصبح علما على هذه الصفات السيئة لأي حاكم مسلم، في الوقت الذي يخفى على كثير من المسلمين صفات وأعمال محمودة ساعدت على انتشار الإسلام بفضل الحجاج على الرغم من شهرة الحجاج وصورته المجسمة للظلم.

 

وإذا كان الجانب الأسود المظلم قد طغى على صورة قصة الحجاج بن يوسف الثقفي، فإننا سنحاول إبراز بعض الجوانب المشرقة التي قام بها في حياته، والمؤثرة في تاريخ المسلمين؛ حتى نرى شخصية الحجاج كاملة بحلوها ومرها، وخيرها وشرها.

 

فهناك عدد من الأعمال الصالحة التي قام بها الحجاج بن يوسف في حياته وعلى رأسها:

 

استنئاف الفتوحات الإسلامية

 

أراد الحجاج استئناف حركة الفتوحات الإسلامية -التي توقفت لبعض الوقت لكثرة النزاعات التي واجهت الدولة- لذلك أرسل الجيوش المتتابعة واختار لها القادة الأكْفَاء، مثل عبد الرحمن بن الأشعث، وقتيبة بن مسلم الباهلي، الذي ولاه الحجاج خراسان سنة 85هـ/ 704م، وعهد إليه بمواصلة الفتح وحركة الجهاد؛ فأبلى بلاء حسنًا، ونجح في فتح العديد من المدن بآسيا الوسطى، وانتشر الإسلام في هذه المناطق، وأصبح كثير من مدنها مراكز مهمة للحضارة الإسلامية مثل بخارى وسمرقند.

 

 كما بعث الحجاج بمحمد بن القاسم الثقفي لفتح بلاد السند، وكان شابًّا صغير السن لم يتجاوز عشرين عاما، ولكنه كان قائدًا عظيمًا موفور القدرة، نجح خلال فترة قصيرة لا تزيد عن خمس سنوات في أن يفتح مدن وادي السند (باكستان حاليا).

 

الإصلاحات العمرانية والاجتماعية

 

في الفترة التي قضاها الحجاج في ولايته على العراق قام بجهود إصلاحية عظيمة؛ فقد أمر بعدم النوح على الموتى في البيوت، وبقتل الكلاب الضالة، ومنع التبول أو التغوط في الأماكن العامة، ومنع بيع الخمور، وعندما قدم إلى العراق لم يكن لأنهارها جسور فأمر ببنائها، وأنشأ خزانات بالقرب من البصرة لتخزين مياه الأمطار لتوفير مياه الشرب، وكما أمر بحفر الآبار في المناطق المقطوعة لتوفير مياه الشرب للمسافرين.

 

كذلك ساعد الحجاج بن يوسف الثقفي في تعريب الدواوين، وفي الإصلاح النقدي للعملة، وضبط معيارها.

 

نقط المصحف

 

ومن أجلِّ الأعمال التي تنسب إلى الحجاج اهتمامه بنقط حروف المصحف وإعجامه بوضع علامات الإعراب على كلماته، وذلك بعد أن انتشر الخطأ في القراءة؛ فقام نصر بن عاصم بهذه المهمة العظيمة، ونُسب إليه تجزئة القرآن، ووضع إشارات تدل على نصف القرآن وثلثه وربعه وخمسه، ورغّب في أن يعتمد الناس على قراءة واحدة، وأخذ الناس بقراءة عثمان بن عفان، وكتب مصاحف عديدة موحدة وبعث بها إلى الأمصار.

 

النشأة

 

ولد الحجاج بن يوسف الثقفي في الطائف عام الجماعة (41 هـ = 661م)، ونشأ بين أسرة كريمة من بيوت ثقيف، وكان أبوه رجلا تقيّاً شريفاً، وقضى معظم حياته في الطائف، يعلم أبناءها القرآن الكريم دون أن يتخذ ذلك حرفة أو يأخذ عليه أجرا. وأمه هي الفارعة بنت همام بن الصحابي عروة بن مسعود الثقفي، تزوجها الصحابي المغيرة بن شعبة ثم طلقها وندم، فتزوجها أبو الحجاج. حفظ الحجاج القرآن، ثم تردد على حلقات أئمة العلم من الصحابة والتابعين، مثل: عبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، وغيرهم، ثم اشتغل بالتعليم، مثل أبيه. وقد كان من أفصح الناس، حتى قال عنه النحوي أبو عمرو بن العلاء: «ما رأيت أفصح من الحسن البصري، ومن الحجاج».

 

الحجاج وابن الزبير

 

لفت الحجاج أنظار الخليفة عبد الملك بن مروان، ورأى فيه شدة وحزما وقدرة وكفاءة، وكان في حاجة إليه حتى ينهي الصراع الدائر بينه وبين عبد الله بن الزبير الذي كان قد أعلن نفسه خليفة سنة (64هـ = 683م) بعد وفاة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ودانت له بالولاء معظم أنحاء العالم الإسلامي، ولم يبق سوى الأردن التي ظلت على ولائها للأمويين، وبايعت مروان بن الحكم بالخلافة، فنجح في استعادة الشام ومصر من قبضة ابن الزبير، ثم توفي تاركا لابنه عبد الملك استكمال المهمة، فانتزع العراق، من معصب بن الزبير. ثم جهز عبد الملك حملة بقيادة الحجاج؛ للقضاء على دولته تماما. حاصر الحجاج مكة المشرفة، وضيّق الخناق على ابن الزبير المحتمي بالبيت، وكان أصحابه -بما فيهم ولديه- قد تفرقوا عنه وخذلوه، بسبب سياسته السيئة وشدته على الناس. ولم يبق سوى قلة صابرة، لم تغنِ عنه شيئا، وانتهى القتال باستشهاد ابن الزبير والقضاء على دولته، وعودة الوحدة للأمة الإسلامية التي أصبحت في ذلك العام (73 هـ = 693م) تدين بالطاعة لخليفة واحد، وهو عبد الملك بن مروان.

وهنا يزعم البعض بأن الحجاج قد ضرب الكعبة بالمنجنيق حتى هدمها، وهذه الفرية رد عليها شيخ الإسلام بن تيمية، فيقول في الجواب الصحيح (5|264): «والحجاج بن يوسف كان معظما للكعبة لم يرمها بمنجنيق». ويقول في الرد على المنطقيين (1|502): «والحجاج بن يوسف لم يكن عدوا لها ولا أراد هدمها ولا أذاها بوجه من الوجوه ولا رماها بمنجنيق أصلا». ويقول في منهاج السنة النبوية (4|348): «أما ملوك المسلمين من بني أمية وبني العباس ونوابهم، فلا ريب أن أحدا منهم لم يقصد إهانة الكعبة: لا نائب يزيد، ولا نائب عبد الملك الحجاج بن يوسف، ولا غيرهما. بل كان المسلمين كانوا معظمين للكعبة. وإنما كان مقصودهم حصار ابن الزبير. والضرب بالمنجنيق كان له لا للكعبة. ويزيد لم يهدم الكعبة ولم يقصد إحراقها لا وهو ولا نوابه باتفاق المسلمين».

 

مواعظ الحجاج

 

كان للحجاج مواعظ بليغة مؤثرة، فمنها:

 

قال على المنبر: «رحم الله امرؤا جعل لنفسه خطاما وزماما، فقادها لخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله. فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه». (الكامل 1|93).

قال الحسن البصري: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج. سمعته يقول: «إن امرؤا ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له، لحري أن تطول عليه حسرته يوم القيامة». (البيان 2|99، الكامل 1|93).

روى الأصمعي أن الحجاج مرض فأرجف الناس بموته، فخطبهم بعد إبلاله فقال: «إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم، قالوا: "مات الحجاج". وإذا مات فمه؟ فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها. وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه، إبليس، قال الله له: { إنَّكَ مِنَ المُنْظَرينَ } فأنظره إلى يوم الدين. ولقد دعا الله العبد الصالح فقال: { هَبْ لي مُلْكاً لا ينبغي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي } فأعطاه الله ذلك إلا البقاء. ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال: { توفَّني مُسْلِماً وألحقني بالصَّالِحِينَ }. فما عسى أن يكون أيها الرجل؟ وكلكم ذلك الرجل. كأني والله بكل حي منكم ميتاً، وبكل رطب يابساً، ثم نقل في ثياب أكفانه إلى ثلاثة أذرع طولاً في ذراع عرضاً، فأكلت الأرض لحمه، ومصت صديده ، وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول»، ثم نزل.

 

وفاة الحجاج

 

أصيب الحجاج في آخر عمره بما يظهر أنه سرطان المعدة. وتوفي بمدينة واسط في العشر الأخير من رمضان 95هـ (714م)، وقيل في ليلة القدر، ولعله علامة على حسن الخاتمة. قال محمد بن المنكدر: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: «اللهم اغفر لي فإنهم زعموا أنك لا تفعل». وروى الغساني (لم أعرفه) عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على: حبه القرآن وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة: "اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل"». وقال الأصمعي: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول:

 

يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الأَعْدَاءُ وَاجْتَهَدُوا * بِأَنَّنِي رَجُلٌ مِنْ سَاكِنِي النَّارِ

أَيَحْلِفُونَ عَلَى عَمْيَاءَ؟ وَيْحَهُمُ * ما عِلْمُهُمْ بكريم العَفْوِ غَفَّارِ؟

 

قال فأخبر بذلك الحسن فقال: «تالله إن نجا لينجون بهما».

اضافة تعليق