إنسانية الإسلام

الأربعاء، 18 أبريل 2018 12:49 م
د. عمرو خالد
د. عمرو خالد

"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ".. هكذا شهد الله لرسوله بإنسانيته ورحمته، فقد كان صلى الله عليه وسلم ذا قلب عطوف، محبًا لجميع الناس، حتى لأعدائه الذين آذوه، وحاربوا دعوته، وأخرجوه من داره، وقاتلوه، ومع كل ذلك يدعو لهم.. لم يحمل في قلبه غلاً تجاههم، حتى إنه في معركة "أحد" التي انتهت بدرس قاس للمسلمين كان يدعو لهم: "اللهم اهد قومي"، وما ذلك إلا لكونه إنسانًا استحق أن يقول عنه ربه "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ".
فالإسلام دين الإنسانية، وليس دين العنصرية، والقرآن كتاب للإنسان قبل المسلمين، وردت فيه كلمة الإنسان 63مرة، وكلمة الناس 340 مرة، وفي سورة "العلق" أول ما نزل من القرآن، ذكر كلمة الإنسان في 5آيات "اقرأ – خلق الإنسان – علم الإنسان"، أما كلمة البشر فقد وردت 37 مرة، وهناك سورة في القرآن تحمل اسم "الإنسان".
ما معنى الإنسانية؟
الإنسانية، هي: حب الإنسان في ذاته كإنسان، بغض النظر عن دينه، لونه، عرقه، مستواه.. الإنسانية هي التي تجعلني أقبل بالتعايش مع الآخر الذي أختلف معه في العقيدة، لكن لاأختلف معه في كونه إنسانًا، أحترمه، وأقدره، وأتمنى له كل الخير، أنصفه، ولاأظلمه، وهذا من احترام تنوع البشر، الذي هو دليل على احترام نظام الله في الكون.. الإنسانية = الرحمة.. الخير.. الحب.. الجمال.
وحب الناس أعظم معاني التدين، النبي يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، والمراد بأخيه هنا كل الناس، فلن يكتمل إيمانك بالله حتى تحب الناس، ولن تحبه تمام الحب حتى تحب صنعته.. فإن حب الصنعة من حب الصانع، فتسخر كل قدراتك الإنسانية من أجل الإنسان أيًا ما كان.. "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"، فالله سبحانه جعل هنا البر - أي الحب - قبل العدل. 
التدين الخاطئ 
غير إن هذا لاينفي أن هناك قطاعًا كبيرًا من المتدينين لديهم فهم خاطئ في هذه المسألة، ما يجعل تدينهم قاسيًا ضد الإنسانية، ويسحق الإنسان الذي بداخلهم، مخالفين بذلك دعوة النبي إلى احترام الإنسان في الحديث "الإنسان بنيان الله ملعون من هدمه"، بينما هناك التدين العنصري، الذي يقوم على عبادة الله بكراهية غير المسلمين، وكراهية غير المتدينين من المسلمين، بل كراهية المتدينين ممن يخالفونه في الفكر، وهو يعتقد بذلك أنه يحب الله ورسوله.  
كما أن هناك تدين الكراهية والغل، والذي هو يتنافى مع جوهر رسالة الإسلام في قوله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، وهناك تدين لايحترم تنوع البشر، ومثل هؤلاء لايحترمون في الحقيقة إرادة الله بتنوع البشر.. "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ".
وهناك من يقتل الإنسانية بداخله، حتى إنه يرفض مجرد التبسم، بدعوى أنه مهموم بالآخرة، متجاهلاً حقيقة أن النبي كان دائم البشر والابتسام، على الرغم من كل ما كان يحمله من هم الدعوة.. مثل هذه الأفكار المغلوطة هي التي تخرج المتطرفين والإرهابيين، فهناك أناس نزعوا الإنسانية من الدين من أجل الصراع والعنف والتطرف، انطلاقًا من قيم الكراهية والعنصرية والمفاهيم الخاطئة عن "الولاء والبراء"، الذي هو في حالة الحرب فقط.
مواقف إنسانية للنبي
هؤلاء يتجاهلون أجمل ما فينا.. وهي إنسانيتنا حتى لو أخطأنا.. الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"، وهناك العديد من المواقف التي تظهر الجوانب الإنسانية في حياة النبي..
فعند نزول الوحي عليه في الغار، عاد مسرعًا إلى المنزل وهو يرتجف، ويقول للسيدة خديجة: "زملوني"، بينما ترد عليه بكلمات تهدأ من روعه: " أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".. معددة الصفات الإنسانية التي يتحلى بها. 
في هجرته إلى الطائف، أتاه ملك الجبال وهو حزينًا مهمومًا، بعدما تعرض للأذى والتنكيل، وقال له: "لو أمرتني أطبق عليهم الأخشبين"، لكنه صلى الله عليه وسلم يرد بكل إنسانية: "لا عسى أن يخرج الله من بين أصلابهم من يعبد الله." 
عندما هاجر إلى المدينة كان دليله في رحلته عبدالله بن أريقط، ولم يكن مسلمًا، لكنها الإنسانية التي جعلت النبي يرى فيه الخير حتى لو كان غير مسلم.. يحاول اليهود قتله 3مرات.. ومع ذلك عندما تمر جنازة يهودي يقف النبي لها، فيقول الجلوس: إنها جنازة يهودي، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أليست نفسًا". 
جاءه شاب أمام الصحابة، وقال: يا رسول الله، أريدك أن ترخص لي في الزنا، فهم الصحابة أن يفتكوا به، فقال النبي دعوه، وخاطبه بروح إنسانية، فقال له: "أترضاه لأمك؟ قال لا، أترضاه لخالتك؟ قال: لا، أترضاه لعمتك؟ قال: لا، أترضاه لأختك؟ قال: لا. قال "كذلك الناس لا يرضون لأولادهم وخالاتهم وعماتهم وأمهاتهم مالا ترضاه أنت لأهلك".
كان إنسانًا مع أهل بيته، تحكي السيدة عائشة أنه كان يوم عيد، وكان الأحباش يلعبون في المسجد, ووقفت تشاهدهم من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما وضعت ذقنها على كتفه وأسندت وجهها إلى خده, وكلما قال لها الرسول حسبك (أي كفى هذا القدر)، تلح عليه في الاستمرار، وكأنها كانت سعيدة بمشاهدة ألعاب الحبشة كما كانت سعيدة أيضًا بوقفتها خلف الرسول تلامس ذقنها كتفه، ويلامس وجهها خده في حالة رومانسية رائعة.. هذه هي إنسانية النبي، وهذه رسالته التي حملها إلى العالمين.

اضافة تعليق