الإسلام دين السلام

الأربعاء، 18 أبريل 2018 12:46 م
د. عمرو خالد
د. عمرو خالد


ليس هناك دين أكثر حرصًا على نشر ثقافة السلام بين البشر، أكثر من دين الإسلام، فرسالته إلى العالم هي السلام، "وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، تحيته هي السلام، "السلام عليكم ورحمة الله"، دعوته قائمة على المحبة والسلام، وليس على العنف والإكراه، "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، فلايكره أحدًا كائنًا من كان على الدخول إليه، لايشرَّع فيه القتال إلا دفاعًا، ومقاومة، ولايبرر الاعتداء على أحد بأي شكل من الأشكال، "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ"، فقيد القتال بقيد شديد هو الاعتداء، لايكون إلا لدفع الاعتداء.
هذا النهج الذي أرسى الإسلام دعائمه، وترسخت جذوره على مدار السنين، كان أول من وضع لبنته النبي صلى الله عليه وسلم، فأحدث خلال 23سنة فقط، تغييرًا عميقًا غير مسبوق في تاريخ البشرية.. تغييرًا اجتماعيًا شاملاً.. تغييرًا أخلاقيًا هائلاً.. تغييرًا كليًا في العقيدة.. تعديلاً جذريًا في وضع المرأة من الوأد إلى القيادة.. نهضة علميه هائلة وصلت أوربا عن طريق الأندلس.. جمع العرب كلهم، وأسقط المسلمون إمبراطورية الفرس والروم، والعجيب أن كل ذلك تم بتكلفه قليلة جدًا، وبحجم تضحيات في الأرواح محدودة للغاية.    
فقد بلغ عدد غزوات النبي 27غزوة، وبلغ إجمالي عدد قتلى المسلمين فيها 259، وإجمالي عدد قتلى المحاربين له 759، أي أن إجمالي القتلى في كل معارك النبي 1018، بمعدل 12قتيلاً في كل معركة، وعدد قتلى النساء واحدة فقط، بينما لم يسقط أي قتلى من الأطفال والشيوخ، وهذه من أخلاقيات الحرب في الإسلام، فالنبي كان يوصي أصحابه: "لا تقتلوا صبيًا ولا امرأة ولا شيخًا كبيرًا ولا مريضًا ولا راهبًا ولا تقطعوا مُثمرًا ولا تخربوا عامرًا ولا تذبحوا بعيراً ولا بقرة إلا لمأكل ولا تٌغرقوا نحلاً ولا تحرقوه".
كيف حدث ذلك؟ 
النبي حول الحروب الطويلة لاستراتيجية عسكرية جديدة اسمها غزوة، ومعنى الغزوة ساعات قليلة تدور فيها المعركة، فبلغ إجمالي عدد ساعات الحرب لـ 27غزوة (42 ساعة فقط)، لا توجد معركة استمرت أكثر من 5 ساعات، فرض النبي طريقة عسكرية إبداعية جديدة، ليقل عدد القتلى من الطرفين.
لم تكن حروب النبي حروب تخريب، كالحروب الأخرى التي يحرص فيها المتقاتلون من غير المسلمين على إبادة مظاهر الحياة لدى خصومهم، أو التعطش إلى سفك الدماء في حروب تستمر لسنوات طويلة، كما في الحرب بين الروم الفرس، التي استمرت من 602 إلى 628م، وسقط فيها 2مليون قتيل، وحرب الصين خلال الفترة ما بين 734 و755م، وراح ضحيتها 12مليون قتيل، حرب الفجار (6حروب) سقط فيه 100 ألف قتيل.
والثورة الفرنسية حتى تحدث تغييرًا اجتماعيًا وسياسيًا، قتل فيها 2مليون، والثورة البلشفية بروسيا سقط فيها 13مليون، أما الرسول عليه الصلاة والسلام فحقق أعظم إنجاز بأقل تكلفة 1018، خلال الحروب التي خاضها المسلمون مع أعدائهم. 
حتى في معاملة عدوه، كان حريصًا على إظهار رحمة وأخلاق الإسلام، فكان يرفض، بل ويحذر أصحابه من التمثيل بجثث القتلى؛ فعن عمران بن الحصين رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المُثلة"، وعلى الرغم ما تعرضت له جثة عمه حمزة بن عبدالمطللب من تشويه بعد استشهاده في غزة "أحد"، فإنه رفض الرد بالمثل، لأنه نبي الرحمة والتسامح.
ولا عجب حين نعرف أن الحرب في الإسلام هي آخر الحلول التي يتم اللجوء إليها، بعد اللجوء إلى كل الطرق السلمية الأخرى، وكانت في الأصل لمواجهة الخطر الذي يحيط بالدولة الإسلامية الوليدة وقتها ليقضي عليها، ثم أن الفرس والروم لم يكونوا أصحاب البلاد في مصر والعراق والشام، بل كانوا محتلين ظالمين، والمسلمون لم يحاربوا أهل تلك البلاد، بل حاربوا المحتل ورفعوا الظلم عن أهلها ثم قالوا لهم: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ".
وقد ورد ذكر السلام في القرآن الكريم بصيغ مختلفة في أربعين ومائة موضع، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً"، "وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا"، "لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ"، "ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ"، في حين أن لفظ الحرب لم يرد فيه إلا ست مرات فقط، والمسلمون يقولون كل يوم وليلة لفظ السلام عشر مرات؛ اقتداءً بالنبي إذا انصرف من صلاته؛ حيث كان يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام".
كانت حياة النبي وكل اختياراته السلام والرحمة والتسامح، رفض أي عنف أو صدام في مكة لأنه مؤمن بالسلام، حتى عندما دخلها فاتحًا، رفض إراقة الدماء، دخلها سلمًا بدون قتال، ولو كان ميالاً للقتال لخاض فيمن ألحقوا به الأذى، وحاصروه وحاربوه وأكرهوه على الهجرة من أحب بلاد الله إليه قتالا وتقتيلاً، لكنه أبى إلا أن يصفح ويعفو، فقال لهم: "ما تظنون أني فاعل بكم؟"، فقالوا: "خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم"، فقال: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ"، لم يؤذ أحد من قريش في نفسه أو ماله، فحفظ الأنفس من القتل أو السبي، وأبقيت على الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها.
وقبل أن يهاجر، وهو في مكة، لو أراد أن ينتصر لشخصه وهو له ما له من الأهل والعشرية لفعل، فلم يكن ضعيفًا كما يظن البعض وقتها، أو لايملك القوة، لهذا لم يلجأ للصدام، فالحقيقة أن مكة وهي مجتمع قبلي، وكان هو من أقوى فرع في قريش "بني هاشم"، لكنه لم يستغل هذه النقطة للصراع حتى لا يفكك بلده وتندلع حرب أهلية بين أهلها، تحمل الإيذاء فقط. 
ولم يلجأ للعنف، حتى عندما جاءه الدعم الإلهي من السماء، في تلك اللحظة التي شعر فيها بالحزن مما يفعله به أعداء الإسلام، وقال له ملك الجبال: "إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين"، فقال له الرسول: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا". 
بعد هجرته إلى المدينة، لم يذهب لقتال قريش، لكن هم الذين جاءوا إليه، فقاتلهم في "بدر" و"أحد" و"الخندق"، وكانت كلها على حدود المدينة، وعلى الرغم من ذلك كان يدعو لهم: "اللهمَّ أهد قومي فإنهم لا يعلمون"، فاستجاب الله له في فتح مكة: "إذَا جَاءَ نَصر اللَّه وَالَفتح * وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدخلونَ في دين اللَّه أَفوَاجاً * فسَبّح بحَمد رَبّكَ وَاستَغفره إنَّه كَانَ تَوَّاباً".
بعد أن وصل إلى المدينة، قبل النبي أن يعيش اليهود فيها، وعقد معهم اتفاقًا، وأقر لهم حقوقًا تحميهم، لم يجبرهم على اعتناق الإسلام، بل ترك لهم حرية الاختيار، وتعاهد معهم على أن يدافعوا معًا – المسلمون واليهود - عن المدينة ضد أي خطر خارجي تتعرض له، لم ينقض اتفاقه معهم، فقد كان حريصًا على التعايش السلمي، ومع ما لاقاه منهم، إلا أنه لم يبادر إلى نقض الاتفاق، حتى نقضوه هم، وأخلوا بالاتفاق معه.

اضافة تعليق