النبي لم ير للمتحابين إلا الزواج

الثلاثاء، 17 أبريل 2018 09:04 م
أداب الخطبة لم ير للمتحابين

يظن البعض، وخاصة المتدينين، أن الحب جريمة لا تغتفر، وأن من يحب قد ارتكب إثمًا عظيمًا، وهو اعتقاد خاطئ مناف للفطرة التي جبلت على الحب، ولو كان الحب حرامًا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن حبه للسيدة خديجة رضي الله عنها "إني رزقت حبها".
والحب هو انجذاب القلب بصورة غير إرادية نحو المحبوب من الجنس الآخر، لأسباب قد تختلف من شخص لآخر، وقد يرافق الحب أنواعًا من التمنيات والآمال والتصورات، كأن يتمنى الحبيب أن تصبح حبيبته شريكة حياته.
فهذا الحب، لا مخالفة فيه، وليس منهيًا عنه، بالعكس فهو أمر حبب إليه الإسلام ورغب فيه، وهو الأساس القوي للعلاقة الزوجية، لكونه يعكس مشاعر نبيلة محترمة، ولنا في الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، فقد كان محبًا لأهله وزوجاته.
وقد كان النّبي صلى الله عليه وسلم يطلب من ربه أن يسامحه على ميل قلبه نحو السيدة عائشة عن غيرها من زوجاته، فقد رُوِي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم "يُقسّم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
غير أن الإسلام وضع ضوابط للحب وحتى يكون في إطار المباح والمشروع، ولا يتجاوز إلى المحظور، الذي نهى عنه، بل إنه حث على الزواج بين المتحابين، باعتباره الوسيلة الوحيدة والصحيحة التي تسير فيها مشاعر الحب الجياشة.
عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندنا يتيمة وقد خطبها رجل معدم ورجل موسر وهي تهوى المعدم، ونحن نهوى الموسر، فقال صلى الله عليه وسلم: لم ير للمتحابين مثل النكاح.
قال المناوي في "فيض القدير" بعد ذكره لهذا الحديث: إذا نظر رجل لأجنبية وأخذت بمجامع قلبه فنكاحها يورثه مزيد المحبة، كذا ذكر الطيبي، وأفصح منه قول بعض الأكابر، المراد أن أعظم الأدوية التي يعالج بها العشق النكاح، فهو علاجه الذي لا يعدل عنه لغيره ما وجد إليه سبيلاً.
فليس من العيب أن يميل قلب الشاب ناحية فتاة، وكذا الفتاة لا لوم عليها أن يميل قلبها ناحية شاب، ما دام ذلك مغلفًا بأهداف ونوايا طيبة، على أن يتوج هذا الحب في النهاية بالزواج، وإن كان هذا لا يعطيهما الحق في التمادي في العلاقة خارج هذا الإطار، أو أن يكون هناك تلاعب بالمشاعر، أو الغرض منه التسلية ليس إلا.
والخطوبة هي أكبر دليل على صدق النية والمشاعر، ما دامت تفضي إلى الزواج، لكن ذلك محكوم بضوابط، فلا يتقدم أحد لفتاة يعرف أنها مخطوبة، فالنبي الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن ذلك؛ فعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض".
وعن عبد الرحمن بن شماسة أنه سمع عقبة ابن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر".
كما ورد عن أبي هريرة، أن "النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن أن يبيع حاضر لباد أو يتناجشوا أو يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبيع على بيع أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفى ما في إنائها، أو ما في صحفتها".
وقد أباح الإسلام النظر إلى المرأة وإلى وجهها لمن يريد الزواج منها، وذلك حتى يرى فيها ما يدعوه إلى استحباب الزواج منها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل نظرت إليها، فإن في عيون الأنصار شيئا؟" قال: قد نظرت إليها".
فمن حق الرجل النظر إلى المرأة حتى يقتنع بزواجه منها، وكذلك المرأة من حقها النظر إلى الرجل حتى تقتنع بالزواج منه. كما ورد عن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعو إلى نكاحها فليفعل". قال: "فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها".
وقد ورد عن بكر بن عبد الله المزني، عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"، أي أحرى أن تدوم المودة بينكما.
لكن ما هي صفة الزوج التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم كمعيار للارتباط به؟ ليس هناك شرط أهم من الدين والخلق الحسن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب إليكم ممن ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"[8]، فإن تعظيم المال والجاه على الدين يؤدي إلى الفتنة والفساد.
كما أنه لا يجوز للأب، أو أي شخص يتولى أمر فتاة ان يكرهها على الزواج؛ فقد كانت خنساء بنت خدام الأنصاري متزوجة من أنيس بن قتادة الأنصاري فاستشهد في بدر، فزوّجها أبوها من رجل لا ترغب فيه، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتكي له قائلة: "يا رسول الله، إن أبى أنكحني، وأن عم ولدي أحبّ إليّ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم زواجها بيدها، وردّ النكاح الأول"، وبذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الثيب - أي التي سبق لها الزواج بيدها.
كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زينب بنت عثمان بن مظعون القرشية حينما أراد عمها قدامة بن مظعون أن يزوجها من ابن عمر بن الخطاب، فرد النبي صلى الله عليه وسلم زواجها، فتزوجت من المغيرة بن شعبة.
فإنه من حق كل من الزوجين أن يرى الآخر ويوافق عليه لتكون مسيرة الحياة بينهما مودة ورحمة، وتأتي ثمرتها المطلوبة من الاستقرار النفسي والقلبي والعقلي.
يقول الشيخ محمد الغزالي: "إن الزوج والزوجة إنسانان متكافئان في الحقوق والواجبات، ومع صدق العاطفة يكون الرجل ملكًا مطاعًا نافذ الكلمة، ووسيلته في ذلك الوفاء والإخلاص والحب".
ويصف الزواج بأنه "شركة مادية وأدبية"، والأسرة بأنها "الكهف الوحيد الذي يجمع بين رجل وامرأة، ومن ثم فإن تكوينها دين، والحفاظ عليها إيمان، ومكافحة الأوبئة التي تهددها جهاد، ورعاية ثمراتها من بنين وبنات جزء من شعائر الله، فالزواج ليس عشق ذكر لمفاتن أنثى..! إنه إقامة بيت على السكينة النفسية والآداب الاجتماعية، في إطار محكم من الإيمان بالله والعيش وفق هداياته، والعمل على إعلاء كلمته وإبلاغ رسالاته".

اضافة تعليق