البساطة.. أسلوب حياة

الثلاثاء، 17 أبريل 2018 08:59 م
البساطة أسلوب


الاصطناع والتكلف من أشد وأخطر أمراض العصر الحالي، فنجد من يهتم كثيرًا بالشكليات وكل ما له علاقة بالمظهر، بعيدًا عن اهتمامه بالجوهر والمضمون، رغم أن ذلك هو الأصل، وفي مقابل ذلك تظهر اللامبالاة في تصرفات وسلوك البعض، وما بين هذا وذاك تكون البساطة، فلا هي بالتكلف الذي يرهق الإنسان ماديًا ومعنويًا، ولا هي باللامبالاة، التي تسيء التصرف، ولا تحسن التدبر، وإنما تعني الوضوح والسهولة والواقعية.
والبساطة هي سر من أسرار السعادة، لأنه كلما خلت الحياة من التعقيدات والبهرجة، كلما كان الإنسان أكثر سعادة، وهي لا ترتبط بالغنى والفقر كما يعتقد البعض، بل هي سلوك حياة، في كل شيء، في المظهر، والمأكل، والسكن، وطريقة التحدث إلى الناس، لا يعتني كثيرًا بما سيقوله عنه الآخرون، بذات القدر الذي يعنيه أن يكون راضيًا عن نفسه ومسلكه، وأن يعيش حياته خالية من التعقيدات.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان أبعد عن التكلف في كل تفاصيل حياته، في معاملاته مع أصحابه وزوجاته، "ما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه"، بينما هناك من يشتد به الغضب، ويطلق لنفسه العنان في توجيه السباب واللعنات، إن وضعت له زوجته طعامًا لم يستحسنه، ويصيح بأعلى صوت غضبًا وزجرًا لها.
مع علو قدره، ورفعة منصبه، فقد كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعًا، وألينهم جانبًا، وقد خيره الله تعالي بين أن يكون نبيًا ملكًا، أو نبيًا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًا عبدًا، كان يمنع أصحابه من القيام له، وما ذلك إلا لشدة تواضعه، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا على عصا، فقمنا له، قال: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، يعظِّم بعضهم بعضًا".
ولو تخيلناه بغير هذه الصورة من البساطة، لكان قد غضب غضبًا شديدًا ممن لم يقم له، أو ينحني له تعظيمًا وتقديرًا، لكنه ومع كونه سيد ولد آدم، فلم يزده ذلك إلا بساطة وتواضعًا، وعنه أنه قال: "من أحب أن يتمثَّل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار" رواه أحمد والترمذي و أبو داوود.
ففي أكله وجلوسه نجده يقول: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد" رواه ابن حبان، وفي ركوبه يركب ما يركب عامة الناس، فركب صلى الله عليه وسلم البعير والحمار والبغلة والفرس، قال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف" رواه الترمذي.
وقد أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بين يديه فأخذته رعدة فقال له: "هوّن عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد (وهو اللحم المجفف)". لم يقل ذلك امتهانًا لنفسه، بقدر ما أراد إشعار هذا الرجل الذي أصابته الرهبة والخوف من مهابته بكونه إنسانًا بسيطًا.  
وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "حُرِّم على النار كل هيِّن ليِّن سهل، قريب من الناس"، وكان يحث أصحابه على البعد عن التكلف، حتى إن غلامًا صغيرًا من أتباعه - من الصحابة - وهو عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "نُهِينَا عن التكلف".
كان في كل شيء بسيطًا، حتى في معاملته الأطفال، كان لطيفًا رقيقًا معهم، فقد جاءه رجل من بني تميم فرآه يقبل بعض أبنائه، فقال: يا رسول الله! تقبلون أبناؤكم؟! إن لي عشرة من الولد لم أقبل أحدًا منهم قط، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "وما أملك لك إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك"، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الأطفال، ويداعبهم عليه الصلاة والسلام.
في حديثه إلى الناس، وهو الذي أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، فكان يخاطب كل إنسان على قدر مستواه، ويحاوره بلغته، فلم يكن يستخدم الألفاظ التي يعجز الناس عن فهمها، كان كلامه سهلاً مفهومًا، يناسب المستمع، على الرغم من أنه كان قادرًا على أن يأتي بأغرب الكلمات وأعقدها، فقد كان أفصح فصحاء العرب، لكنه أراد البساطة في قوله؛ حتى يفهمه الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والرجل والمرأة، حتى الطفل الصغير.تقول زوجته عائشة - رضي الله عنها- : "كان كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فصلاً، يفهمه كل من يسمعه"، أي: أن لغته كانت بسيطة بعيدة تمامًا عن التقعُّر في الكلام.
وتقول أيضًا: "كان يحدثنا حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه، ولم يكن يسرد الحديث كسردكم"، لم يكن يُكثر من الكلام بسرعة، لكنه كان إذا تكلم كان كلامه واضحًا سهلاً مفهومًا، يقول أنس رضي الله عنه: "كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثًا؛ حتى تُفْهَم عنه" أي: أنه إذا خطب في الجموع ربما لا يسمعه البعيد، فكان يعيد كلامه ليُسمَع ويُفهَم.
ومع عنايته بمظهره، إلا أنه لم يكن مبالغًا في ذلك، فكان يهتم أن يظهر للناس في هيئة حسنة، وذلك أمر محمود، لا خلاف عليه، أن يظهر الإنسان أمام الناس بصورة حسنة، ويريهم أفضل ما لديه، وكان يرجِّل شعره، ويُصلح هيئته، فلم يكن يرتدي الثياب المرقعة، كي يبدو زاهدًا، أو يصطنع التكلف بذلك، وإلا كان خروجًا على ما أمر الله به لكل مؤمن بأن يتزين ويحسن التزين، "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ"، وعند التوجه إلى المسجد أمرنا بذلك، فقال: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ".
 ومع حسن مظهر النبي، إلا أنه كان بسيطًا، بساطة تظهر في عدم لبس أغلى الثياب وأفضلها، وزهد لا يصل إلى لبس الثياب المرقعة، كان يهتم بنظافة ثوبه، ويحرص على تطييبه بالطيب، وأن يخرج للناس متعطرًا ذا رائحة ذكية، ولكنه مع ذلك لم يكن متكلفًا في ذلك، بحيث يتعطل عن أداء أعماله من أجل حسن مظهره، ولا أن يستدين من المال كما يفعل بعضهم للإنفاق على حُسْن مظهره، وأن يبدو للناس من طبقة غير طبقته، بل كان يتزين بالمتاح منها، وكان يدَّخِر منها شيئًا ذا قيمة عالية لحضور المناسبات كالأعياد واستقبال وفود العرب وغيرها.
يقول البراء بن عازب: "رأيت النبي في حلة حمراء لم أر شيئًا أحسن منه"، لكنه نهى عن لبس ثياب الشهرة، وهو أن يتخذ الإنسان ثوبًا غريبًا عن الوسط الذي يعيش فيه، حتى يُشتهر بين الناس به، وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك، ويقول: "من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارًا".
وحينما كان يجلس بين أصحابه كان لا يتخذ لنفسه مكاناً مميزًا، ولا هيئة متميزة، بل كان يجلس مثلهم على الأرض)، بل علَّمهم أن الأصل أن يجلس الجميع معًا في المساجد على الأرض، ولا فرق بين غني وفقير، ولا بين رئيس ومرؤوس، وكان يركب ما تيسر له ركوبه، فركب الفرس، وركب الناقة، وركب البغلة، وركب الحمار، وكان عادة يأخذ أحدًا من أصحابه معه، يركب خلفه، إن لم تكن معه دابة يركب عليها.
وكان يُجالِس الناسَ، كلّ الناس، فليس له من خواصّ الأغنياء أو ذوي الهيئات جلساء، بل كان يجالس الجميع، وأكثر جلوسه كان مع الفقراء، بل كان يقول في حديثه: "اللهم! أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين". وكان يجلس حيث انتهى به المجلس، فلا يمهَّد له مكان قبل مجيئه، بل كان يجلس في المكان الخالي المتاح.
في سفره كانت البساطة أيضًا عنوانه، وقال أنس بن مالك: "حج النبي (صلى الله عليه وسلم) على رحل رثٍّ وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي"، ثم قال: "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة"، وهكذا كانت حياة النبي بسيطة في كل شيء، لا مبالغة فيها، كما يفعل الملوك، إذن فالبساطة أسلوب حياة وعلى الجميع أن يتأسى به، وإذا كان النبي قدوة لنا، فحري بنا أن نقتدي به في كل شيء.

اضافة تعليق