الغضب.. خطر حذرنا منه النبي.. فكيف نتجنبه

الثلاثاء، 17 أبريل 2018 08:57 م
الغضب

الغضب هو انفعال يطرأ على الإنسان، نتيجة موقف ما يؤدي إلى استثارته وخروجه عن هدوئه المعتاد، وقد يترتب عليه التفوه بعبارات مسيئة للغير، واتخاذ قرارات لحظية يندم عليها الإنسان فيما بعد، لأنه يكون في حالة غير طبيعية، لكون الغضب يتسبب في فقدان القدرة على مراقبة وضبط النفس.
هناك ثلاثة أنواع من الغضب متعارف عليها من قبل علماء النفس: الأول ويسمى بـ "الغضب السريع والمفاجئ"، وهو مشترك بين البشر والحيوانات، والنوع الثاني: "الغضب المتأن والمتعمد" وهو رد فعل على تصور الضرر المتعمد أو المعاملة غير العادلة من قبل الآخرين، وهذان النوعان من الغضب عرضيان، أما النوع الثالث فهو نوع ترتيبي مرتبط أكثر بالمميزات الشخصية أكثر من الغرائز أو الادراك. والتهيج، والعبوس والفظاظة مثال على ذلك.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغضب، فقال لرجل قال له: أوصني: "لا تغضب"،، فردد مرارًا، قال: "لا تغضب"؛ وهذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأنه جمع بين خيري الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه، فينقص ذلك من الدين.
قال الخطابي: معنى قوله: "لا تغضب" اجتناب أسباب الغضب وألا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجبلة، وقال غيره: ما كان من قبيل الطبع الحيواني فلا يمكن دفعه، وما كان من قبيل ما يكتسبه بالرياضة فهو المراد، وقيل: لا يفعل ما يأمرك به الغضب، ولعل السائل كان غضوبًا.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر كل أحد بما هو أولى به، فلهذا اقتصر في وصيته له على ترك الغضب، فللغضب مفاسد كبيرة، ومن عرف هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" من الحكمة واستجلاب المصلحة في درء المفاسد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، لأن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة، كما يقول "ابن بطَّال".
وعن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين فيزوجه منها ما شاء".
يقول ابن القيم: "إن الغضب مرض من الأمراض، وداء من الأدواء فهو في أمراض القلوب نظير الحمى والوسواس والصرع في أمراض الأبدان فالغضبان المغلوب في غضبه كالمريض والمحموم والمصروع المغلوب في مرضه والمبرسم المغلوب في برسامه"، وقال: "إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح، أَوْثِقْ غضبك بسلسلة الحلم فإنه كلب إن أفلت أتلف".
لكن هناك غضبًا محمودًا، وهو ما كان لله تعالى، عندما تنتهك، كما فعل سيدنا موسى بعد علمه باتخاذ قومه العجل "وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ".
كما ثبت أن النبي غضب، وكان لا يغضب إلا مما يخالف أوامر الله ويخرج عن هديه، ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: "خرج رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - على أصحابه وهم يختصمون في القدر فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب فقال: بهذا أمرتم؟ أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض بهذا هلكت الأمم قبلكم، فقال عبد الله بن عمرو: ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ما غبطت نفسي بذلك المجلس وتخلفي عنه".
ودرجات الناس في الغضب ثلاث: الأولى: التفريط ويكون ذلك بفقد قوة الغضب بالكلية أو بضعفها، الثانية: الإفراط ويكون بغلبة هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين ولا تبقى للمرء معها بصيرة ونظر ولا فكرة ولا اختيار، الثالثة: الاعتدال وهو المحمود وذلك بأن ينتظر إشارة العقل والدين.
علاج الغضب:
الاستعاذة بالله من الشيطان، قال تعالى: "وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".
وعن سليمان بن صرد -رضي الله عنه – قال: "كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه, وانتفخت أوداجه, فقال النبي: إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد"، فقالوا له: إن النبي قال: "تعوذ بالله من الشيطان" فقال: وهل بي جنون.
يقول ابن القيم: "وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته".
ومن عوامل التخلص من الغضب، تغيير الحال، وذلك لما ارواه أبى ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع".
وقد دعا الله تعالى إلى مواجهة الغضب بكظمه وسرعة الصفح عن المسيء، فقال:"{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"
ويدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانًا إليهم.
قال تعالى: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ"، وقال سبحانه: "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"، قال ابن عباس رضي الله عنه: "من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو "فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ"، أي إن الله يأجره على ذلك، قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة".
والإنسان عندما يغضب يثأر لنفسه، لكنه عندما يمتلك غضبه ويصفح عمن كان سببًا في حالته هذه، فإنه بذلك ينتقل من حالة إلى أخرى، متجاوزًا الغضب إلى الحكمة، التي دعته لأن يمتلك أعصابه، وألا ينفلت لسانه، فاستحق الأجر من الله جزاءً على ذلك. 

اضافة تعليق