اختلافهم رحمة.. توسعة.. أدب.. لا غلو فيه أو تشدد

الثلاثاء، 17 أبريل 2018 08:56 م
اختلافهم رحمة

يقول عمر بن عبد العزيز: "ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم إذا اجتمعوا على قولٍ فخالفهم رجلٌ كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة"، وكذلك قال غيره من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.
وحدث الاختلاف نفسه بين الصحابة، دون أن ينكره أحدهم على الآخر، وذلك حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدًا منهم".
إذ اُعتبر هذا الحديث دلالة واضحة بينة على ما كان عليه الصحابة الأخيار من احتمال الخلاف الدائر بينهم؛ وسعة صدورهم، وعدم ضيق ذرعهم بخلاف بعضهم بعضًا؛ حيث لم تنقل الروايات أن ذلك الخلاف كان سبباً في بغي بعضهم على بعض أو تعدي بعضهم على بعض، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم تقبل اختلافهم ولم ينكره على أحد منهم.
ويعتبر اختلاف المجتهدين رحمة من الله تعالى بالعباد، وتوسعة عليهم حتى لا يقعوا في الحرج بالتزام برأي مذهب واحد في كل الأمور، ولهذا يسع العوام الأخذ بالرأي الأيسر، ليدفع عنهم المشقة والحرج ويحقق لهم المصالح الراجحة.
قال العلامة ابن رسلان في منظومته صفوة الزبد في الفقه الشافعي:
والشافعي ومالك والنعمان     وأحمد بن حنبل وسفيان
وغيرهم من سائر الأئمة      على هدى والاختلاف رحمة
والمسائل الشرعية تنقسم إلى قسمين :
الأول: مسائل ورد في بيان حكمها نص صريح من القرآن أو السنة ولا معارض له، أو نقل فيها الإجماع أو القياس الجلي؛ فهي من المسائل التي يجب فيها اتباع النص وعدم مخالفته.
يقول الإمام النووي: "ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا" (شرح مسلم 2/24]).
بخلاف من يخالف الأدلة الشرعية الصريحة المعتبرة المتفق عليها، إذ لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف دليلاً صريحًا ولو كان مجتهدًا، فعن عبد الله بن مسعود أن سُبيعة الأَسلَميَّة وضعت بعد وفاة زوجها بليالٍ، فمرَّ بها أبو السَّنابل بن بَعْكَك فقال: قد تَصَنَّعتِ للأزواج، إنها أربعة أشهر وعشرًا، فذكرت ذلك سبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كَذَبَ أَبُو السَّنابِلِ - أو لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو السَّنَابِلِ - قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي" رواه الشافعي في الرسالة، والبغوي في شرح السنة، والبيهقي في الكبرى، بإسناد صحيح.
أما القسم الثاني من المسائل الشرعية: فهي المسائل التي لم يرد ببيان حكمها دليل صريح من قرآن أو سنة أو إجماع أو قياس جليٍّ ، أو ورد بحكمها دليل مختلف في ثبوته أو دلالته على الحكم، أو وردت فيها نصوص ظاهرها التعارض.
وهذه المسائل تحتاج إلى نوع اجتهاد ونظر وتأمل لمعرفة الحكم الشرعي الذي تدل عليه، فهي مظنة اجتهاد العالم، ولذا أطلق عليها مصطلح (مسائل الاجتهاد).
وهذا النوع من المسائل لم يخالف فيه المجتهد نصًّا، وإنما خالف اجتهادُه اجتهادَ غيره، وهذا مما لا ينبغي إنكاره، ولا يجوز لمجتهد أن يحمل غيره على اجتهاده، وهو الذي اتفقت كلمة العلماء على تقريره.
وقسم العز بن عبد السلام الخروج من الخلاف إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكون الخلاف في التحريم والجواز، فالخروج من الاختلاف بالاجتناب أفضل.
القسم الثاني: أن يكون الخلاف في الاستحباب أو الإيجاب، فالفعل أفضل، كقراءة البسملة في الفاتحة فإنها مكروهة عند مالك واجبة عند الشافعي، وكذلك رفع اليدين في التكبيرات، فإن أبا حنيفة لا يراه من السنن وكذلك مالك في أحد الروايتين عنه، وهو عند الشافعي سنة للاتفاق على صحة الأحاديث وكثرتها فيه.
ومما يروى أن الخليفة أبا جعفر المنصور كان معجبًا بشخصية الإمام مالك وعلمه وعقله، وكان يريد أن يحمل الناس على "الموطأ" - كتابه الأعظم- كما حمل سيدنا عثمان بن عفان الناس على القرآن، لكنه لم يوافقه الرأي، وقال له: "يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم".
وفي رواية أن مالكًا قال له: "يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وإن ردهم عما قد اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل أهل بلد منهم لأنفسهم".
وحكى ابن عبد البر عن معن بن عيسى بإسناد متصل به، قال: "سمعت مالكًا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه".
أما تلميذه الإمام الشافعي فقد قدم إلى بغداد سنة 195 هـ، وكان صاحب طريقة جديدة في الفقه، وصاحب آراء جديدة فيه تنفصل عن آراء الإمام مالك، لكنه لم يتجه إلى آرائه بنقد أو تزييف، ولما قدم إلى مصر واستقر به المقام على أراضها في أواخر سنة 199 حتى توفي سنة 204، قام بمراجعة الكثير من آرائه على ضو المتغيرات والبيئة الجديدة، وصار له مذهبان، القديم (195-199)، والمذهب الجديد (199-204).
خلال تلك الأربع التي عاشها في مصر، غير الشافعي كثيرًا من اجتهاداته، وأعاد تصنيف كتبه، والتف حوله عدد من تلامذته المصريين، فحملوا عنه هذه الاجتهادات، ورووا عنه تلك الكتب، منهم البويطى والمزنى والربيع المرادى، ويتمثل المذهب الجديد فى كتبه المصرية نحو الأم فى الفقه، والرسالة الجديدة، وغيرهما.
وذكر العلماء عدة أسباب لتغيير الشافعى لاجتهاداته فى عدد من المسائل لما ذهب إلى مصر، منها اطلاعه على كثير من السنن والآثار مما لم يكن قد سمعها من قبل، واعتماده على قياس جديد يكون أرجح من الأول، واختلاف البيئة، ففى مصر رأى من العادات والحالات الاجتماعية ما تختلف عما رآها بالحجاز والعراق.
رأى الشافعى دنيا جديدة فى مصر تكونت من نتاج المدرسة المصرية فى الفقه بزعامة الإمام الليث سيد الفقهاء، وعادات المصريين وتقاليدهم المعيشية التى نتجت عن التقاء الحضارات القبطية والمصرية القديمة واليونانية، وهو ما لم يعرفه أو يره من قبل، ما دعاه لإعادة النظر فى مذهبه وآرائه من جديد، ثم أعلن للناس أن آراءه ليست إلا التى كتبها فى مصر.
والإمام الشافعي، اختلف مع تلميذه يونس بن عبد الأعلى الصدفي، فتحدث الأخير عن استيعابه أستاذه على الرغم من اختلافه معه، فقال: "ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا، وإن لم نتفق في مسألة".
ومن الأدب النادر أن الإمام الشافعي صلى الصبح في مسجد أبي حنيفة فلم يقنت ولم يجهر ببسم الله تأدبًا مع أبي حنيفة. قال القرطبي: "كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرأون البسملة لا سرًا ولا جهرًا، وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد".
وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: "خذوا عن أستاذنا الشافعي ما كتبه في مصر"، إذ كان الإمام أحمد ممن يؤمنون بفقه الخلاف، فقد روى العباس بن عبدالعظيم العنبـري، قال: "كنت عند أحمـد ابن حنبل وجاءه علي بن المديني راكبًا على دابة، فتناظـرا في الشهـادة - أي الشهادة بالجنة للمبشرين بها- وارتفعت أصواتهما، حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة، وعلي يأبى ويدفع، فلما أراد علي الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه".
وأرسـل إبراهيم بن عبد العزيز إلى إبراهـيم النظام، مالاً أحـوج ما يكون إليه، وقال له: إن كنا اختلفنا في المقالة-أي في الرأي والمذهب-فإنا نرجع بعد ذلك إلى حقوق الأخلاق والحرية، وقد رأيتك حيث مررت بي على حالٍ كرهتها، وينبغي أن تكون نزعت بك حاجة، فإن شئت فأقم بمكانك مدة شـهر أو شـهرين، فعسى نبعث إليك ببعض ما يكفيك زمانًا من دهرك، وإن اشتهيت الرجوع فهذه ثلاثون دينارًا فخذها وانصرف وأنت أحق من عذر.
مدرسة الإمام أبي حنيفة المتوفى 150 ه‍، والتي كانت متوجدة في العراق فاقت بقية مدارس الرأي، فقد بالغ بالأخذ به كمصدر أساسي للأحكام الشرعية ودليل قاطع، فقد روى الخطيب البغدادي في ترجمة أبي حنيفة من تاريخ بغداد عن يوسف بن أسباط قال، قال أبو حنيفة: "لو أدركني رسول الله وأدركته لأخذ بكثير من قولي وهل الدين الا الرأي الحسن".
وقد كان شعبة بن الحجاج أميرًا للمؤمنين في الحديث، وأبوحنيفة من أهل الرأي، وعلى الرغم من التباين في منهجيهما، إلا أنه كان كثير التقدير لأبن حنيفة، تجمع بينهما مودة ومراسلة، وكان يوثِّق أبا حنيفة، ويطلب إليه أن يحدِّث، ولما بلغه نبأ موته، قال: لقد ذهب معه فقه الكوفة تفضل الله عليه وعلينا برحمته.
وسأل رجل يحيى بن سعيد القطان عن أبي حنيفة فقال: ما يتزين عند الله بغير ما يعلمه الله عز وجل، فإنا - والله - إذا استحسنا من قوله الشيء أخذنا به.
لم يكن الاختلاف وتباين الآراء يمنع أحدًا من الأخذ بما يراه حسنًا عند صاحبه، وذكر فضله في هذا ونسبة قوله إليه.
وعن عبد الله بن المبارك روايات كثيرة في الثناء على أبي حنيفة: فقد كان يذكر عنه كل خير، ويزكيه، ويأخذ من قوله، ويثني عليه، ولا يسمح لأحد أن ينال منه في مسجده، وحاول بعض جلسائه يومًا أن يغمز أبا حنيفة فقال له: اسكت، والله لو رأيت أبا حنيفة لرأيت عقلاً ونبلاً.
ونقل عن الشافعي أنه قال: سئل مالك يومًا عن عثمان البتيِّ، فقال: كان رجلاً مقاربًا، وسئل عن ابن أبي شبرمة فقال: كان رجلاً مقاربًا، قيل: فأبوحنيفة: قال: لو جاء إلى أساطينكم هذه (يعني سواري المسجد) فقايسكم على أنها خشب، لظننتم أنها خشب، إشارة إلى براعته في القياس.
أما الإمام الشافعي فما أكثر ما روي عنه قوله: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة".


اضافة تعليق