"رفقًا بالقوارير".. هكذا حافظ النبي على المرأة من الانكسار

الثلاثاء، 17 أبريل 2018 08:54 م
رفقا بالقوارير

عني الإسلام بالمرأة عناية بالغة، وهي التي كانت قبله مهانة في قومها، حتى إن هناك في الجاهلية كانوا عندما يرزقون البنات يقومون بوأدهن، وليس ذلك إلا تحقيرًا من شأنها، وخوفًا من أن يلحقهم العار بسببها، نظرة رفضها الإسلام، ولم يقر أبدًا بها، فجاء ليصون حقوق المرأة، ويضعها في المكانة اللائقة بها. 
في خطبة الوداع، التي تعد الوثيقة الأهم في تاريخ الإسلام، والتي اشتملت على جملة من المعاني والأخلاق الإنسانية العظيمة التي أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قواعدها لتكون الأساس الذي يقوم عليه المجتمع المسلم، خص فيها المرأة بقدر كبير من الاهتمام، وقرر لها الكثير من الحقوق والواجبات كتفًا بكتف مع الرجال.
فبعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكَّرَ ووعظ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم، وأمام ذلك الجمع الغفير: "استوصُوا بالنساءِ خيرا؛ فإنهن عندَكم عَوانٌ؛ ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك؛ إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيِّنة، فإن فعَلْن فاهجُروهن في المضاجعِ واضربوهن ضربًا غير مُبرِّح؛ فإنْ أطَعْنَكم فلا تبغُوا عليهن سبيلا. إنَّ لكم مِن نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقُّكم على نسائكم فلا يوطئن فُرُشَكم مَن تكرَهون ولا يأذَنَّ في بُيوتِكم لمن تكرهون، ألا وحقُّهن عليكم أنْ تحسِنوا إليهن في كِسْوَتِهن وطعامِهن".
ولم يكن النبي ليوصي بتلك الحقوق للمرأة إلا لعظم دورها، فهي نصف المجتمع وأم للنصف الآخر، إذا صلحت صالح سائر المجتمع، فهي الركن الركين الذي يرتكز عليه المجتمع المسلم، ليست شيئًا هامشيًا، بل مرتكزًا أساسيًا، لا غنى عنه أبدًا. 
قال المستشرق اندريه سرفيه في كتابه "الإسلام ونفسية المسلمين": "من أراد أن يتحقق من عناية محمد بالمرأة فليقرأ خطبته في مكة التي أوصى فيها بالنساء".
وبلغ من تقدير النبي للمرأة، أنه وصفها بـ "القوارير"، ومعلوم أن القارورة تصنع من الزجاج، ولا بد من التعامل معها برفق ولين، وإلا فإن التعامل العنيف يؤدي إلى كسرها, وليس هناك أكثر ما يكسر المرأة من الكلمة الجارحة, والإهانات المتكررة، وعدم تقديرها كإنسانة ذات مشاعر، وربما أبكتها الكلمة، وأسعدتها ابتسامة.
عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان معه غلام أسود يقال له: "أنجشة" يحدو، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا أنجشة رويدك بالقوارير".
وكان يقصد الصحابيات اللاتي يركبن الجمال، فقد كان أنجشة حادي، أي يقود الإبل بصوت جميل وكلمات شعرية ( كأنه يغنى) فكانت الإبل تسرع وتهتز طربًا عند سماعها هذا الحداء، فخشي عليهن من إسراع الأبل بهن، وهذا من أروع التشبيهات البلاغية.
ومما قاله الإمام النووي في شرح الحديث إن النبي شبه النساء بالقوارير لرقّتهن ولطافتهنّ مما يستدعي مراعاة ذلك في التعامل معهن.
فالمرأة تتسم بالرقة وطبيعة تركبيتها الإنسانية تتسم بالضعف في كل شيء، فلزم لهن معاملة خاصة تراعي ذلك، تحترم مشاعرها، وتتعامل بها برقي وإحسان، فلا جرح لمشاعرها بالكلمة، ولا اعتداءً عليها باللفظ أو الضرب، معاملة هينة لينة، فإن أكثر من يستميل قلب المرأة هو تقديرها، وإظهار الحب لها.
وكانت المرأة في الجاهلية تشترى وتباع كالمتاع، وتُكره على الزواج وعلى البغاء، وكانت تُورث ولا تَرث، وكانت تُملك ولا تَملك، وكان أكثر الذين يملكونها يَحْجُرون عليها التصرف فيما تملكه بدون إذن الرجل، وكانوا يرون للزوج الحق في التصرف بمالها من دونها إلى غير ذلك من أنواع الظلم والاضطهاد الذي كانت تقاسيه المرأة وتتجرع مرارته فأنقذها الله بالإسلام.
روى البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: "أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاحُ الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيُصْدِقها ثم يَنْكحها، ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طَهُرت من طمثها أَرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجُها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر، يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليل بعد أن تضعَ حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيُلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل، والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثيرون فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جُمعوا لها ودَعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطته به، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم".
وهذا من إكرام الإسلام للمرأة، أن جعل النكاح، والزواج بصورته الحالية، هو السبيل الوحيد لصون عفتهن من أي عبث، أو إكراههن على أفعال تحط من قدرها، وقد ساوى الإسلام بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات دون نقصان.
فقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا"، والخطاب موجه في الأساس للرجال أن اتقوا الله في نسائكم فقد خلقهن الله لكم من نفس واحدة، وما تشعر به من ضيق لو أساء لك أحد سوف تشعر به المرأة نفسها.
وهو الذي فرض على الرجال معاشرة الزوجة بالمعروف وإن شاب في أنفسكم في بعض الأحيان لفعل أو شيء كرهتموه لهن فلا تعلمون عسى أن يكون ذلك خيرًا لكم عند الله، فقال: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا".
كما أنه حرّم على معشر الرجال أن يرثوا النساء بالإكراه أو أخذ المهور المقدمة لهن، أو ممتلكاتها عنوة، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ".
وأوجب الله تعالى كذلك على الأزواج كسوتهن والإنفاق عليهن عند الولادة، فقال: "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".
وإذا ما كان بين الرجل والمراة طبائع متفقة في السمات البشرية العامة، فإن بينهما اتفاق أيضًا في عموم التكاليف الشرعية، في العقائد، والعبادات، والمعاملات، والحدود، والأوامر والنواهي، وفي الثواب والعقاب المترتب على ذلك في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً"، مساواة في الجزاء وفي الأجر، دون تمييز للرجل على المرأة، أو تقليل لما تقوم بها، فالعمل الصالح يقبل من الذكر والأنثى على حد سواء.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "النساء شقائق الرجال"، معنى الشقائق: أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهن شُققن من الرجال.
والرجل لا يستطيع أن يعيش وحده في الحياة، إذ لا غنى له بحال عن المرأة، فكل شيء في الحياة يحتاج إلى ما يقابله، قال تعالى: "وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ".
تستمر دورة الحياة، وإعمار الكون، شرع الله زواج الرجل من المرأة، "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"، فالمرأة هي السكن الذي يستقر إليه الرجل ويستريح من معاناة الحياة وكبدها، ولن تكون هناك سعادة بين الزوجين إذا لم تقم الحياة بينهما على المودة والرحمة.

اضافة تعليق