أفكار مستوردة في مواجهة فطرة الأمومة.. كيف يحاربونها وكيف بين منزلتها القرآن والسنة

الثلاثاء، 17 أبريل 2018 08:20 م
أفكار مستوردة في مواجهة فطرة الأمومة.. كيف يحاربونها وكيف بين منزلتها القرآن والسنة

تعد الأمومة فطرة ربانية فطر الله عليها الأمهات، وجعل منها العطاء الدائم بلا حدود، لذلك تترقب المرأة هذه الهِبة بكل حب وحنان، ومع كل نبض ينبض به قلبها، مهما لاقت من صعاب طول مدة حملها أو بعد وضعها فلذة كبدها، تحمله بين يديها وتحرسه عيناها وقلبها وصدرها؛ لأن الله تعالى وضع في كِيانها الرقة والحنان؛ لتسير الحياة على نظامها المعهود الذي سيَّره الله تعالى وسخَّره بمشيئته لعمار الكون.
إلا أن بعض الدعوات الحديثة والمستوردة أصبحت تحارب هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وتدعو إلى هدم هذه العاطفة التي جعل الله منها سرا في استمرار الحياةن حتىأصبح الكثير من النساء مثقلة بالهموم، تطرق رأسها عاصفة من الأفكار تسيطر عليها، ما بين رغبة بالإنجاب، وبين خوف من المسؤوليات التي يتبعها قرار كهذا.
 عاطفة وأمومة
تقول هبة عبد الجواد محاضرة ومهتمة بعلم الاجتماع، عن مدى تحوّل "رُهاب الأمومة" إلى ظاهرة صلبة واسعة الانتشار؟، إن سبب هذه الموجة المنتشرة بين بعض الفتيات والنساء، الشعور بالخوف من هذا العالم،  وما أنتجه هذا الشعور من هشاشة وعدم قدرة على تحمل المسؤولية، فكثيرا ما نجد تكرارا لمقولة "بالكاد أحمل نفسي"، مثلا، في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، مما يجعل المرء مثقلا بالهم الخاص والعام، فبالتالي يتردد الحديث عن الرغبة في تأجيل الإنجاب حتى تتحسن الظروف أو يتخلص الزوجان من بعض ضغوط العمل والدراسة الاضطرارية.
وتضيف في دراسة لها أن هناك فئة معينة يتولد لديها الشعور بأن إنجاب الأطفال هو إيذاء لهم بجلبهم لهذا العالم المتوحش، خصوصا من فئة الشباب الذين عاصروا قدرا كبيرا من المآسي والكوارث التي شهدناها في السنوات الماضية بمنطقتنا العربية، يتزامن ذلك مع صدمة في القناعات والمسلمات التي كانت تزوّده بفهم ما لسنة الحياة.. وتوضّح هبة أن ما يحدث في المنطقة صادم بالفعل، وخصوصا لهذا الجيل الذي هو في سن الزواج الآن، ولعل من الأفضل أن يأخذ الإنسان مسافة من الشأن العام كي يراه في إطار الصراع كسنة كونية على هذه الأرض منذ نشأة الخليقة، وألا يعتقد أن الحياة تتوقف عند هذه الأحداث.
وعن احتمالية وجود أسباب أكثر جذرية قد ساهمت في توليد رُهاب الأمومة تميل هبة عبد الجواد إلى أن الرغبة في عدم الإنجاب في أصلها راجعة بشكل جذري إلى عدم الشعور بالأمان، وإلى أسباب شخصية أخرى أكثر من كونها ظاهرة عامة أو توجّه يأخذ مكانه ويُنتج نفسه ويتطور كعادة موضوعات عديدة يثيرها الشباب هذه الأيام، فيتم "شكلنتها" وتحويلها إلى عنوان كبير ندور حوله.
وأضافت أن عدم الشعور بالأمان هنا مرتبط أكثر بالشخص وفهمه للزواج، وثقته فيه إلى درجة تجعله يرغب في الإنجاب، والعكس صحيح، كذلك علاقاته الأسرية ونشأته وما خَبِرَهُ مِنَ الحياة وتأثير الأحوال الشخصية من حوله التي قد تصيبه بنوع من الرهبة وعدم الشعور بالأمان. وتنهي هبة كلامها بأن الإنجاب حاجة فطرية، وعدم الرغبة فيه عائد لظروف عارضة لن تصل إلى كونها ظاهرة يتوقف عندها العالم عن التكاثر.  
وفي محاولة لتفكيك أسباب "رهاب الأمومة" في هذا العصر بيّنت أنَّ ثمة فصلا بين الظواهر الإنسانية الثلاث: الجنس والزواج والأمومة ، هذه الظواهر كانت مترابطة قبلا؛ فالجنس سابقا كان يحصل بالزواج والأمومة حاصلة معهما ضمنيا، لكن في الزمن الحديث انفصلت هذه الظواهر الثلاث عن بعضها؛ بمعنى أنه أصبح من الممكن الحصول على الجنس من دون زواج، أو التمتع بالأمومة من دون زواج، أو قيام الزواج لكن من دون أمومة؛ مما يعني أن الزواج لم يعد يعني بناء أسرة تلقائيا كما السابق، وهذا ليس مقتصرا على الغرب طبعا بل في الشرق أيضا؛ حيث أصبح من المقبول أن يتزوج شخصان ويعيشان زمنا طويلا دون أولاد باتفاق بينهما، الأمر الذي لم يكن مقبولا بفترة قريبة من الزمن إلا مشفوعا بأسبابه القاهرة كالانتظار حتى إنهاء الدراسة، أو حتى الإقامة في بلد قد تمنح الطفل في حال ولد بها جنسية، أو حتى عودة الأب المسافر للعمل، وغيرها من الأسباب القاهرة التي قد تقنع المحيط الاجتماعي الممتد، أما الآن فأصبح من الممكن تأجيل الإنجاب من دون أسباب أو لأسباب عادية جدا، وهي ظاهرة واسعة الانتشار -حسب الدكتور همام- مع موجة انتقاد واسعة من الجيل الأول الذي ينتظر أن يرى أحفاده.
أسباب العزوف عن الأمومة           
 انخفاض مستوى الأمان الاجتماعي والمادي، فالمجتمع التقليدي الذي كانت تشعر فيه المرأة بالأمان من تجرؤ زوجها على طلاقها أو الغدر بها أو إهانتها لأسباب غير قاهرة، لتعتبر أن عدم الإنجاب هو مأمن بالنسبة لها حتى لو انفصلت عن زوجها.
الخوف من الارتباط بمنظومة الزواج، حيث يتنامى عند الفتيات الشعور بأن الأمومة هي ليست ارتباطا بالطفل بل ارتباط بمنظومة الزواج؛ أي أنه للحفاظ على أمان هذا الطفل ونموه السليم فإن المرأة مطالبة بالاستمرار بالزواج لدرجة كبيرة ومطالبة كذلك بالمحافظة عليه؛ فبالتالي يتحوّل الطفل إلى رابط لها بزوجها وبمنظومة الزواج، وبما أنّ منظومة الزواج لم تعد بهذا الوضوح والثبات؛ فبالتالي نجد من الطبيعي أن تشعر المرأة بأن ارتباطها بهذه المنظومة هو خطر وغير مضمون.
تعطيل فرص العمل والتحصيل العلمي، حيث تخاف النساء من كون الأمومة تعطل بعض الفرص من ناحية أكاديمية ومهنية، وهذا حقيقة، كما يوضح الدكتور همام، ذلك أن الأمومة تكبل المرأة من ناحيتين:
 يزداد اعتمادها على زوجها بمجرد وجود الطفل، مما يغيّب فرصها ببناء الكيان المستقل لها؛ من الحصول على الشهادة الأكاديمية وفرصة العمل المرغوبة، وكأن الأمومة تمسي نوعا من المقامرة المضاعفة على المرأة.
وبعد المرور في التقرير على بيئات جغرافية واجتماعية متنوعة ومتباينة نسبيا، وآراء اجتماعية ونفسية، ربما يظهر أنه ثمة خوف حقيقي وحاصل من الفتيات إزاء الأمومة، مع رغبة فيها دفعتهن للبحث عن وسيلة أخرى لإشباع الغريزة كالتبني، لكن هذا التخوف الملحوظ والموجود نتيجة أسبابه المنطقية لم يتماسك بعد ليشكل ظاهرة جديدة تهدد الأسر العربية، ليبقى مرتبطا بالدرجة الأكبر بالظروف القاسية التي يعيشها الشباب العربي من حروب ولجوء وفوضى يبدو أنها لن تستقر قريبا.
الأمومة في الإسلام
وتبدأ لحظات الأمومة حينما تشعر الأم بنبتة الجنين في أحشائها، لذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نختار - كما ذكرنا سابقا - لنطفنا؛ أي: لأولادنا، الأب الصالح، والأم الصالحة، صحيًّا ودينيًّا واجتماعيًّا بكل المقاييس الصالحة التي تكون هذا الجيل الجديد، ففي حديث روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تخيَّروا لنُطفكم، وانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم».
وعبر كتاب الله تعالى عن عواطف الأم ومشاعرها تجاه ولدها، فإذا هي في أسمى صورها وأشكالها في قصة أم موسى عليه السلام، حيث يصور القرآن لنا تلك المشاعر التي كانت تجيش في قلبها، قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]... {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص:10-11]... {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص:13] .
 لقد أمر الله تعالى أم موسى أن ترضعه ما استطاعت لذلك سبيلاً، فإن خافت عليه القتل والذبح، فلتضعه في التابوت وتلقيه في اليم، فكيف يمكن لأم أن ترمِ بولدها في البحر؟!! إنها إشارة إلى أنه لا يمكن لعاطفة في الكون أن تتغلب على عاطفة الأم، سوى تلك التي تتعلق بالإيمان بصدق الله تعالى لوعده إذا وعد، واليقين بقدرة الله تعالى على صنع المعجزات و تحقيق ما يظنه الإنسان من المستحيلات، أما غير ذلك فلا يمكن لعاطفة في الدنيا أن تعلو على مشاعر الأم وعواطفها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظيم ما وهب الله تعالى الأم من تلك العواطف والمشاعر تجاه أولادها، والتي جعلها الله تعالى قرينة الثقة بالله وبقدرته.
 وفي السنة النبوية الشريفة حديث لطيف وجميل، يظهر بجلاء عواطف الأمومة التي لا يمكن أن توازيها عاطفة بشرية أخرى، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: قُدِمَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِسَبْيٍ، فَإِذا امرأةٌ مِن السَّبْيِ تَسعى قد تَحَلَّبَ ثَديُها، إِذا وجدت صَبيًا في السَّبي أَخَذَتْه، فألْزَقَتْه ببطنها فأرضعتْه، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَتَرَونَ هذه المرأَةَ طارِحَة ولدها في النار؟» قلنا: لا والله ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «الله أرحَمُ بعباده من هذه المرأة بوَلَدِها» .
والشاهد في هذا الحديث هو اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لعاطفة الأمومة ورحمتها وحنانها، ليقرب من خلالها إلى أذهان الناس سعة رحمة الله تعالى بعباده، وعفوه ومغفرته وتجاوزه عن سيئاتهم إذا هم تابوا وأنابوا، وفي ذلك رفع لمنزلة تلك العاطفة فوق كل عاطفة، وأنه ليس أعظم من عاطفة الأم ورحمتها وحنانها على أولادها سوى رحمة الله تعالى بعباده. بعد كل عواطف الأمومة هذه، هل يمكن أن يكون جزاؤها من أولادها إلا الإقرار بالعرفان ورد الجميل ما استطاعوا لذلك سبيلًا، فإن مكافئة الأم على ما قدمت لأبنائها من الصعوبة بمكان، ولا يمكن أن يدركه أحد، ولكن وكما يقال ما لا يدرك كله لا يترك كله، ورحم الله تعالى الشيخ علي الطنطاوي الذي يقول: "لو أنصف الأبناء لما تركوا أمهاتهم يمشين على الأرض، ولغسلوا أرجلهم بدموع عيونهم".

اضافة تعليق