* مذكرات مغترب



من هنا يبدأ الحوار

 

رأيت الله 3

 

وماشى مختار مختار بالكورة ويلعبها عرضية .. يستلمها الخطيب ..

وبيبو .. وبيبو .. وبيبووووووووووووو ... جووووووون ...  

ديسمبر 1982  ...  مدينة أشانتى كوتوكو الغانية .. ونهائى كأس الأندية الأفريقية لأبطال الدوري  ..

حيث توج النادي الأهلي لأول مرة فى تاريخه بطلاً لأفريقيا  ..وهو الحدث التاريخي للنادي الأهلي  ..

والحدث التاريخي لي أنا شخصياً  !!!كان عمري فى ذلك الوقت قد تجاوز الست سنوات بقليل

وبدأت حمّى كرة القدم تجتاح عقلي الصغير ..

الدوري العام .. كأس مصر .. كأس أفريقيا للأندية .. كأس الأمم الأفريقية ..  تصفيات كأس العالم !!!

لا تلبث أن تنتهي مباراة حتى يبدأ الإعداد لأخرى .. والبطولة تعطي إشارة البدأ لبطولة أخرى ...

العالم كله يشاهد كرة القدم  ..ويستمتع بالرياضة  ..بل ويسافرون لها آلاف الأميال ..

ولكن أن تصبح كرة القدم أحد المحاور الأساسية في حياتك  .. فهذا ما لا يقبله عقل إطلاقاً  !!!

 

ومجدي عبد الغنى .. وشاط .. وجوووووووووووووون .. هدف التعادل للمصريين ..

هدف التعادل للمصريين .. الله أكبر ..

ونزلت عدالة السماء على إستاد باليرمو !!!!!!!!!!!!!!!!!!

المصريين بيتعادلوا مع هولندا بطلة أوروبا  ... مش ممكن ... إنجاز تاريخي  !!!!!!!

 

كانت بطولة كأس العام فى إيطاليا عام 1990 هى ذروة الإثارة والتشويق ..

وأذكر أننا كنا نجلس بالساعات  ..حيث تحول الشعب المصري بأكمله إلى  60 مليون خبير كروي

يفكر ويفكر  ..

ولا أظن أي إنسان قد جلس يفكر فى المذابح التى ارتكبت أثناء الانتفاضة الأولى للأقصى عام 1987 مثلما جلس يفكر فى وضع التشكيلة المثلى والتى يجب أن يخوض بها منتخب مصر الموقعة الفاصلة والتاريخية والحاسمة أمام منتخب أنجلترا .. والتي  على أساسها سيتحدد تاريخ مصر الحديث بأكمله وما إذا كان جنود الوطن سيحققون النصر .. ويلعبون بقيمة ما صرف عليهم من ملايين  ..

أم سيودعون البطولة مأسوفا عليهم  ..تاركين ورائهم دموع المصريين الحزينة على الخروج من بطولة كأس العالم لكرة القدم   !!!!!!

 

ـ محمود ... تعالى ... مين اللاعب بتاع هولندا ده ؟

ـ ده أيفان ريكارد .. بيلعب فى نادي أنتر ميلان الإيطالي  .. وده من أصل سنغالي

 

وأذكر أنني  كنت أحفظ التشكيلة الأساسية لأغلب منتخبات العالم ومراكزهم

والأندية التي يلعبون لها كمحترفين   !!!!!!!!!!  

ولا تتعجب عزيزى القارئ إذا أخبرتك أنني  كنت أعرف اسم حارس مرمى منتخب

كولومبيا ( هيجيتا ) ولا أعرف من هو عبد الله بن مسعود   !!!!

وتمر السنوات ..

والبطولات والدورات لا تتوقف ... ويظهر المارد الجديد فى دنيا الرياضة المصرية  ..

كرة اليد ...

فتضاف بطولاتها للسجل السنوي المتاخم بالبطولات والمسابقات   ..

وكان لنا حدثاً  جديداً أن تجد منتخب بلادك يحصل فى كل بطولة عالم على أحدالمراكز الست الأولى فى البطولة  !!!!

بلال وجوهر والجيوشي  وحمادة النقيب وأشرف عواض  ..

إنه الجيل الذهبي لكرة اليد المصرية  !!

وليس من العيب أن تشجع فريقاً  ..أو تنتمي  لمنتخب بلدك   ..

ولكن أن تصبح الرياضة فى حياتك  ..هى السحابة التى تمنع سطوع الشمس على ذهنك  ..

فتلك هى الكارثة  !!!!!

أن تسمع الحوارات والنقاشات بين الجالسين على المقاهي أو بين الشباب المتسامرين على نواصي  الشوارع حيث تمتد الحوارات بالساعات ..

بل لا أبالغ إذا قلت بالأسابيع فى فترة البطولات العالمية الكبيرة !!!

فتلك هى المصيبة !!!!!

وتستمر البطولات ..

فهى أكسير الحياة للشعوب التى تريد أن تدفن رأسها فى الرمل حفاظاً على ماء الوجه أمام ما يحدث فى العالم !!!

ولكن عزيزي  القارئ ..

هل يستطيع إنسان فى مرحلة التكوين الشخصي   ..أن يرى ما يجب أن يراه  ..

وسط هذا الدخان والسحاب  ..وفرقعة الصواريخ أثناء المباريات ؟!!

فقط سؤال ينتظر الإجابة المعروفة مقدماً  ..

 

ـ محمود ... تعالى هنا عايزاك

 

صوت أختي يصدح من حجرتي  .. بالتأكيد تريد أحد الكتب من عندي   ..

 

ـ فيه ايه ؟؟ بتعملي ايه هنا ؟!!

ـ إيه الكتاب الغريب ده ؟ رأيت الله ؟!!!

ـ أيوه .. ده كتاب لمصطفى محمود بيشرح فيه معنى بسيط

ـ بسيط  !!!!!!!!!!! ؟؟؟

ـ أه .. عايز يقولك أنك المفروض تشوفي  الله تعالى فى كل حاجة فى حياتك ..

وأنك كمان تعرفي إن ربنا ......... وأن الحياة دي ملك لله  ........  وأن ........ وأن  .....

 

 كان علي أن أبلغ محطة قطار فرانكفورت والتي تبعد عن المطار حوالي  10 دقائق بالمترو

وأقوم بشراء التذكرة والوصول للقطار فى حوالي  20 دقيقة هى عمر ما تبقى معي من وقت

بعد انتهاء هذا المسلسل البوليسي في المطار  !!

كان في حوزتي  60 كيلوجراماً هى حصيلة حقيبتي  الكبيرة والحقيبة الأخرى

التي أحملها فوق ظهري  ..

ولا أعرف كيف أنجزت تلك المهمة فى 20 دقيقة فقط   !!!!

ومن أكثر الأمور المضحكة خلال رحلة القطار أن الطقس عاده في تلك الفترة من الصيف يكون ممطراً على أوروبا .. فهى ظاهرة طبيعية جداً ..

ولكنني  جلست في القطار مندهشاً مما أراه   !!!!!!!!!

 يا خبر أبيض   .. هى بتمطر في الصيف ؟؟؟!!!!!!  أمال في الشتا حتعمل أيه ؟؟؟!!!

وأحسست بالبروده  ..على الرغم أن درجة الحرارة كانت تقريبا 20 درجة مئوية

ثم بدأ العون الإلهي ينهال علي  دون توقف ..

وكأن ما حدث كان الإعداد النفسي لتقبل التغيير الذي لابد أن يجتاح عقلي   ..

ليكشف لي النور الإلهي ... هذا النور ينبعث من جملة وحيدة ..

إذا أدركتها في حياتك  ..فقد أدركت سر الحياة  ..

وسر وجودك على تلك البسيطة ..

وإن لم تدركها عشت فى ظلمة الأشياء والأسباب ونسيت مسبب الأسباب  ..

وبدأت تلك الجملة تهمس في أذني  ...

لا إله إلا الله ..

تذكر  ..تذكر ما قرأت .. تذكر ما تعلمته نظرياً في حياتك ... الآن حان الوقت  ..

ودمعت عيناي  وأنا أتذكر تلك الكلمات للدكتور مصطفى محمود  ..

الآن فقط أشعر بمعناها ..

أشعر بالندم يا إلهي حتى نخاع العظم من أني  ذكرت سواك بالأمس  ..وهتفت بغير اسمك  ..

وطافت بخاطري كلمات غير كلماتك  ..سمحت لنفسي أن أكون مرآه للسراب ..

ومستعمرة للأشباح   ..جهلت مقامي  ..ونزلت عن رتبتي  ..

وترجلت عن فرسي الأصيلة لاركب توافه الأمور  ..وأمشي مع السوقة  ..

وأزحف على بطني مع دود الأرض  !!خدعني شيطاني  ..

واستدرجني إلى مسرح العرائس الذي يديره  ..وإلى تماثيل الطين والزجاج والحلي  المزيفة  ..

استدرجني إلى أناس يحبون للشهوة  ..ويقتلون للطمع  ..ويتزاوجون للتآمر ..

رجال وجوههم ملساء  ..ونظراتهم خائنة .. ونساء تغطيهن المساحيق   ..فلا تبدو ألوانهن الحقيقية .. عالم جذاب كذاب .. يضوع بالعطور  ..ويبرق بالكلمات ..عالم لزج معسول  ..تغوص فية الأرجل كما يغوص النمل فى العسل  ..حتى يموت بلزوجته  !!

والأصوات يا إلهي فى هذا العالم كلها هامسة مبللة بالشهوة  ..تخترق الضمائر  ..

وتأكل الإيمان من الجذور  !!!!

وسمعت فى قلبي  صراخاً يناديك .. كانت كل خلية في بدني  تتوب  ..وتئوب  ..وترجع  ..

 ..وعاد الشئ إلى لاشئ  ..وعدت أنا إليك  ..

سبحانك .. لا إله إلا أنت  ..القرب منك يضيف  ..والبعد عنك يسلب  ..

علمت ذلك بالمكابدة والمعاناة  ..وأدركته بمشوار الخطايا والذنوب  ..

فمن خطيئاتي  نبتت الحكمة  ..كما تنبت أزهار الياسمين من الأرض السبخة  ..

ومن دموع ندمي  حدثت الناس  ..فصدقوني  ..لأنهم رأوا كلماتي  مغموسة بدمي ..

رب ما أتيت الذنوب جرأة مني عليك  ..ولا تطاولاً على أمرك  ..

إنما أتيتها ضعفاً وقصوراً  ..حينما غلبتني طينتي ..وغشيتني ظلمتي ..

ونظرت من النافذة متذكراً للكلمات ودموعي  تسقط  ..

 وتوقفت كل حواسي الظاهرة والباطنة ..إلا حاسة واحدة  .. حاسة البصر القلبي ..

 حيث بدأت لأول مرة في حياتي أرى  ..نعم .. لأول مرة في حياتي أرى  ..

 أرى الله .. ولا أرى سواه

 

 

 

                                                                         محمود رشاد نجم

                                                                 طالب في كلية الطب ـ جامعة جوتنجن ـ المانيا

                                                                              29 سنة