اعترافات عمرو خالد



أجرى الحوار ا / عصام غازي لمجلة كل الناس بتاريخ 22 يونيو 2005
 
أول مواجهة صريحة لسلبيات "صناع الحياة":
على مدى 16 شهراً.. حقق مشروع "صناع الحياة" الكثير من الإنجازات على مستوى العالم العربي وفي بعض الدول الأجنبية أيضاً.. ومع ذلك رأى الداعية عمرو خالد أن يبدأ في مراجعة ما فات وتقييم المرحلة السابقة والاعتراف بكل السلبيات، وتقديم كشف حساب بكل شفافية.
عمرو خالد يعترف بأن هناك مشروعات مهمة بدأت بقوة ثم توقفت.. وأخرى كانت في حاجة إلى متابعة أو أن الجرعة الإيمانية التي قدمت لم تكن كافية.
سألت عمرو خالد:
هل هي مراجعة للنفس والأفكار أم نقد للذات؟
لابد لنا من فترة لأخرى أن نراجع كل ما فات.. وأردت تقييم ما قمنا به. وتقديم كشف حساب ليس معنى ذلك أن نوقف نشاطنا. لكننا أردنا التأكيد على أنا في الاتجاه الصحيح. فقط نقوم بترتيب البيت من الداخل. لنكمل مشوارنا على أرض ثابتة ونحن مطمئنين لمواقع أقدامنا.
ماذا نقصد بكشف الحساب؟
أقصد أن نعترف أمام الناس بالسلبيات التي شابت مسيرتنا والإيجابيات التي حققناها من خلال تقييم عاقل وواقعي، يخلو من التحيز والمجاملة أو التعصب للفكر الذي طرحناه.
مشروع "صناع الحياة" بدأناه يوم 10 فبراير 2004. والأهداف التي قمنا بإعلانها للمشروع يوم بداناه كانت:
1-  تحميل طاقه الإيمان لدى الشباب والبنات بطاقة حركة مفيدة للمجتمع. ولم تكن طاقه الشباب مستوعبه في أية حالات أو أنشطة في العالم العربي. حتى الرياضة تفتقر إلى الملاعب.
2-   تحويل حالة الإحباط التي يمر بها شباب الأمة إلى حالة أمل وتفاؤل واستبشار.
3- التبشير بفكرة النهضة لبلادنا. ووضع اللبنات الأولى لفكرة النهضة.. كان هدفنا إحياء الأمل في الأمة وإقناع الشباب والبنات بفكرة النهضة وبأنها ممكنة.
لا للسلبية
ما المراحل التي مر بها المشروع.. وهل كان ذلك مخططا له من البداية؟
المشروع مر بثلاث مراحل حتى الآن المرحلة الأولى كان الهدف منها إزالة المعوقات التي تمنع الشباب من الحركة وإنتاج نهضة، وكان أول هذه المعوقات:
السلبية وعدم الإيجابية وعدم تحمل المسئولية وظللنا نفك القيود حتى يونيو 2004.
وفي هذه المرحلة أنجزنا خمسة مشروعات:
1-  قدمنا مشروع خدمة المجتمع، كل شاب يقدم الذي يستطيعه. كأن ينظف الشارع الذي يسكن فيه أو الجامعة التي يدرس بها.. تحرك الشباب بشكل جيد في هذا المشروع، ورأينا شباب وبنات الجامعات يقومون بتبييض حوائط الكليات والمنازل.
ولن أنسى أستاذ الجامعة الذي قابل مجموعة من الشباب في كلية الهندسة كانوا ينظفون أرض وحوائط الكلية فسألهم: ماذا تفعلون؟.. قالوا ننظف الكلية.. قال لهم: تفعلون ذلك مقابل أجر أم تنفيذا لأوامر مسئول؟ قالوا: نحن نفعل ما ينبغي أن نفعله باستمرار.. سألهم: هل لكم مطالب معينة؟ قالوا : لا.
فقال لهم: أنا لم أر هذا المشهد منذ كنت طالباً في الكلية في السبعينات.
وتحرك الشباب أيضاً لمحو أمية الكبار، وإقامة مشروعات خيرية لغسيل الكلى، ومشروع "شنطة رمضان".
وكان المحرك لهذا المشروع قول الله تبارك وتعالى: "وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على الصراط المستقيم".
وبدأنا نسمع عن الشباب الذي قام بردم حفر في الشارع ظلت لمدة خمس سنوات لا تردمها الدولة... وعن تجمع نسائي أنشأ جمعية خيرية. كل هذا حدث حين طالبنا "صناع الحياة" بفك قيد السلبية وأن نكون إيجابيين.
النقطة السلبية في هذا المشروع أننا أهملناه ونسيناه ولم نتابعه بعد حماس الناس له، هذا المشروع "خدمة الحي" كان جديراً به أن يستمر لعشر سنوات قادمة مع اعتباره انجازاً مهما لصناع الحياة.
المشكلة إذن هي عدم الاستمرارية في مشروعات نجحت.
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل". وأنا أدعو لإعادة الاهتمام وتنفيذ مشروع خدمة المجتمع والحي.
مشروع الترجمة يحرك الإيمان في قلوب الأجانب
ما أفكارك بالنسبة لمشروعات خدمة المجتمع في العام القادم؟
كل حي له ظروفه الخاصة به والمختلفة عن مستهدفات الحي الآخر.. وهذا يمكن التنسيق له على إنترنت، ومناقشته ووضع خطط تناسب كل مجتمع.
مثلاً مشروع دار الترجمة الذي بدأته فتاة واحدة التي اقتنعت بأن نهضة أي أمه مرتبطة بالترجمة.. وقالت نرمين حسين إن جزءاً من نجاح الحضارة الإسلامية وانتشارها ارتبط بالترجمة.
والحضارة الغربية ترجمت ما أنجزه المسلمون في الأندلس. فالحضارات تترجم عن بعضها، وحركة الترجمة الآن في بلادنا ضعيفة جداً إن لم تكن منعدمة.
وعندما قرأت نرمين إحصائية تبين ضعف حركة الترجمة في بلادنا، أحست إن هذه صفعة على وجهها باعتبارها مترجمة، وقررت تشكيل فريق ترجمة، وهذه إيجابية فريق الترجمة هذا الذي قدمته نرمين ترجمة كتب عديدة.
ومنذ ستة أشهر قابلت في ألمانيا فتاة ألمانية لا تعرف اللغة العربية أثناء ندوة أقمتها هناك. فسألتها عن سبب حضورها الندوة وهي لا تجيد العربية أو تعرفها أصلاً، فقالت: لأني قرأت كتاباً اسمة الطريق إلى الجنة، ترجمة فريق الترجمة الخاص بصناع الحياة إلى الألمانية، الكتاب يتحدث عن شريط لنا سبق تسجيله، وقد تأثرت الفتاة الألمانية كثيراً به. وتحرك الإيمان في قلبها، وتفاعلت مع أفكار الكتاب.
تخيل ثواب فريق الترجمة الذي تسبب في تحريك الإيمان في قلب امرأة ألمانية.
ماذا عن السلبية في هذا المشروع؟
السلبية أن فريق الترجمة لم يضع خطة لخمس سنوات قادمة، بحيث يتحول من فريق للهواة إلى مؤسسة لتغيير واقع الترجمة في العالم العربي.
فتكون أعمالهم وفقاً لخطة يتم تنفيذها سنوياً وكل خمس أو عشر سنوات.
المشروع الثالث الذي تم إنجازه في المرحلة الأولى كان مشروع لا تؤذنا بدخانك.
ومن الآثار الرائعة لهذا المشروع كم عدد الذي أقلعوا عن التدخين؟.. وكم أب أصبح خجولا من التدخين أمام أبنائه؟
أنا زرت تليفزيون اليمن، ووجدت في كل غرفة داخل مبنى التليفزيون لافته تحمل شعار لا تؤذنا بدخانك.
وهناك سيدة اسمها نسرين. تأخذ شعار لا تؤذنا بدخانك وتذهب إلى المدارس الثانوية وتنفق مع  إدارات هذه المدارس على عمل ندوة ضد التدخين.
وكانت المفاجأة أن شبابنا صغار السن يأتون ليعترفوا لها بأنهم كانوا يدخنون دون علم آبائهم ويعدونها بالا يفعلوا ذلك مرة أخرى.. تخيل ثواب نسرين على ذلك..
هناك بصمة خير جميلة تركتها "صناع الحياة".
الحماية من الإدمان
وأين هو مشروع "لا تؤذنا بدخانك" اليوم ولماذا تراجعت فعاليته؟
المشكلة أننا انشغلنا بتحقيق أهداف أخرى، والحل هو فريق عمل متفرغ لكل مشروع يتحرك لإنجازه ويتابعه.
المشروع الرابع.. كان حماة المستقبل، وهو مشروع كله إيجابيات، لأنه يحمي الشباب من إدمان المخدرات.
في أحد الأيام تلقيت اتصالاً هاتفياً من أب يقول لي: أرجوك أنقذ ابني من المخدرات، وهو من عائلة كبيرة، أمه في حالة بكاء مستمر بسبب ذلك، فقلت له: لكني لا أفهم في هذا الموضوع، واعتذرت له. فأرسل لي الأب رسالة تحتوي الآية القرآنية التي جعلناها شعاراً لصناع الحياة: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" وتأثرت كثيراً والتقيت الشاب، وتعرفت عليه، وسألته أن يسافر معي لأداء العمرة، فوافق وتوقف عن تعاطي المخدرات وتحسنت صحته وحياته، ثم انتكس وعاد مرة أخرى للتعاطي، والتقاني ذات يوم وقال لي: ليتنا تعرفنا في وقت مبكر، ليتك تنقذ شبابا مثلي يسير نحو الضياع فكان مشروع "حماة المستقبل".
الآن لدينا في سبعة بلاد عربية فرق من الشباب والبنات نذروا أنفسهم لعمل التوعية ضد المخدرات.
حماة المستقبل في كل مكان
ما المستهدف من هذا المشروع الآن؟
أن تكون فرق حماة المستقبل في كل العالم العربي.. ولدى حلم ألا تكون هناك مدرسة أو جامعة أو ناد في العالم العربي إلا ويضم أفرادا من فرق حماة المستقبل.
المشروع الأخير في المرحلة الأولى. الذي قمنا بتنفيذه، وكان مشروع جمع الملابس وقد نجح هذا المشروع نجاحاً كبيراً، لدرجة أن نصف الملابس التي أتت كانت خارجة من المصنع مباشرة.
هذا تعبير عن حب الخير لدى شعوبنا وأمتنا، الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، الناس تأتي من محافظات بعيدة وتقف في طوابير لتسليم الملابس إلى المخازن.
وشباب يقف طوال الليل لغسل الملابس وكيها وترتيبها. من أكثر اللقطات تأثيراً في نفسي عندما ذهبنا إلى دارفور. مشهد السيدة التي وقفت تزغرد وهي تستلم منا الملابس تصور مدى سعادتها لأنها تسلمت ملابس لها ولأبنائها، بينما نحن نفعل ذلك أي نشترى الملابس ونرتديها كأننا نمارس طقساً حياتيا عاديا.
الإيجابية في ذلك أن أمتنا أمه جميلة والسلبية هنا أننا لم نكرر المشروع مرة أخرى في الصيف مثل الشتاء..
الهدف من هذا المشروع لم يكن النهضة، إنما كان فك القيود.
وانتهت المرحلة الأولى "في العدد القادم تقييم المرحلة الثانية من "صناع الحياة"".