 أخلاقنا... وأخلاقهم!
حوار أجراه أ/عصام الغازي لمجلة كل الناس بتاريخ 13 أكتوبر 2004
إذا كان الله قد خاطب رسوله قبل 1400 سنة: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"..وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد أضاءت الدنيا..وإذا كان الرسول قد سجل أعظم نموذج لمعاملة الأعداء والأسرى في وقت الحرب، بينما لم يعرف الغرب ذلك إلا بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يطبقوه!
وإذا كانت هذه مجرد أمثلة للرحمة والعدل والمساواة في الإسلام، فكيف – كما يتساءل الداعية عمرو خالد – يتهمنا الغرب اليوم بالإرهاب والتعطش للدماء؟!
عمرو خالد يؤكد أنّ إسلامنا بريء من كل هذا، بل على العكس فإنّه كلما زادت سيطرة التكنولوجيا، يزداد الناس قلقاً وتقل الرحمة، لأنّ الحضارة الحديثة فصلت بين العلم والرحمة.
إرهابيون..وفاشلون!
سألت عمرو خالد: العلاقات الإنسانية داخل المجتمعات المعاصرة في تدنِ واضح، حين يسودها العنف والمادية..هل تحدثنا عن العلاقات الإنسانية كما أقرها الإسلام؟
نحن نمر بوقت عصيب تتهمنا فيه حضارة الغرب بأنّنا إرهابيون. وأنّنا متعطشون للدماء. همجيون. الغرب يتهمنا بأنّنا فاشلون. وأنّنا نلوك الشعارات ونرددها بحماسة، لكنّنا حين نعمل نكون أسوأ الناس. نحن نُتهم بكل هذا مع أنّنا أعظم حضارة في التاريخ. ديننا كان رحيماً في علاقاته بالناس. وحضارتنا التي تنتمي إليها غالية وعظيمة.
الرحمة قبل العلم
هل تروي لنا أمثلة للرحمة والإنسانية النابعة من الدين الإسلامي؟
وراؤنا 1400 عام من الرحمة والإنسانية. ويجب أنْ يفخر كل فرد منا بانتمائه لهذا الدين الإسلامي.
يقول الله تبارك وتعالى مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"..ولم يقل سبحانه: وما أرسلناك إلا رحمة للمسلمين. أو رحمة بالبشر. الجان دخل في هذه الآية. أنت يا محمد رحمة للأرض والكون كله..كيف يقولون بعد هذا إنّ ديننا دين إرهابي؟! متى رأت الأرض والبشرية أكبر قدر من الرحمة؟..أيام الإسلام حين أضاء بحضارته الدنيا أم اليوم؟! أكلما زادت التكنولوجيا سيطرة على العالم هل يزداد الناس قلقاً أم راحة بال؟ هل المذابح والرعب والدمار كانت أيام الإسلام أم في هذه الأيام؟ من الذي رحم البشرية؟
المدهش أنّه كلما زاد العلم وزادت التكنولوجيا كلما قلَّت الرحمة..لماذا؟ لأنّ الحضارة الحديثة فصلت بين العلم والرحمة. ولم تربط بينهما، بينما في القرآن الكريم لم يذكر الله سبحانه كلمة العلم إلا مقرونة بكلمة الرحمة.
سيدنا موسى عليه السلام عند توجهه ‘إلى الخضر: "فوجد عبداً من عبادنا أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدُنًّا علماً".
دين الإنسانية
الله سبحانه أعطى لرسوله صلى الله عليه وسلم الرحمة أولاً، ثم علّمه العلم..ولهذا قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". قبل أنْ تبدأ الدعوة حركتها، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في دار الأرقم بن أبي الأرقم مع عدد ضئيل من الرجال، فتنزل عليه الآية الكريمة تقول له: أنت رحمة للعالمين. ولو أنّ سيدنا الخضر كان لديه العلم ولم تكن لديه رحمة، لدمّر الأرض.
مشكلة الحضارة الحديثة أنّها أخذت العلم ونسيت الرحمة. فتجبرت وظلمت. لكن الإسلام هو دين الإنسانية، يحتاج إليه حتى الكفار. وحتى أصحاب الأديان الأخرى يحتاجون إلى أحضانه. يقول الله تبارك وتعالى: "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً". والقرآن في كل مرة يضع الرحمة قبل العلم. وهذا يدل على مدى عظمة حضارتنا. تلك الحضارة التي ذكرت الرحمة قبل العلم..بينما أمامنا حضارة أخرى ذكرت العلم فقط.
التفرقة العنصرية في الغرب
كيف جسَّد الإسلام إنسانيته في قضايا البشرية؟
انظر إلى المساواة العنصرية في الإسلام، بينما يعاني الغرب إلى اليوم من التفرقة العنصرية، ويعاني التفرقة بين الجنسيات اجتماعيا عيش الزنوج في الأحياء الفقيرة بينما يعيش البيض الأغنياء في الأحياء الراقية.
الإسلام من 1400 سنة قال على لسان نبيه: "لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى".
هذه الحضارة هي التي أخرجت البخاري ومسلم وهما من الرواة الستة العظام للأحاديث النبوية: البخاري ومسلم وابن ماجة والترمذي والنسائي وأبو داود. هل تتخيل أنّ أربعة من الرواة الستة جاءوا من الجمهوريات السوفيتية؟ قبل بهم الإسلام..وكبّرهم، فعلًّمونا ديننا.. هذا حدث منذ 1400 سنة، لأنّ نبي الرحمة قال: " لا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى"..فيجيء البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من غير العرب، ليعلّموا الأمة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، لتتحقق القاعدة.
حاكم مصر..شديد السواد
ويعلمنا التاريخ أنّ كافور الإخشيدي الذي حكم مصر في القرن الرابع الهجري، كان أسوداً. شديد السواد. ومع ذلك حكم دولة عظيمة هي مصر. مع أنّ ذلك مستحيل أنْ يحدث في الغرب في القرن الواحد والعشرين، لأنّ هناك تمييزاً عنصرياً.
ويعلمنا التاريخ أنّ عمرو بن العاص عندما كان يفتح مصر، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى الصحابة خيراً بمصر قبل أن يُسلم المصريون، فيقول لهم: "إذا دخلتم مصر فاتخذوا منهم جنداً كثيرين، فهم خير أجناد الأرض، وهم في رباط إلى يوم القيامة". وصل عمرو بن العاص ومعه الصحابة إلى مصر، فأرسلوا إلى المقوقس حاكمها بإنذار، فقال لهم المقوقس: قبل أن تحاربونا ابعثوا إلينا من يشرح لنا دينكم، فأرسل له عمرو بن العاص عشرة من الصحابة على رأسهم عبادة بن الصامت، وكان شديد السواد.
رد الاعتبار لبلال
وعندما وصل الصحابة إلى المقوقس. فقال لهم: ما الذي جاء بكم؟ فتقدم عبادة بن الصامت ليتكلم. فنهره المقوقس قائلاً بعنصرية شديدة: ارجع أنت يا أسود ولا تتكلم. كلموني أنتم "موجهاً حديثه إلى باقي الصحابة من البيض". فقالوا: لا والله لا نتكلم. هو أميرنا، وسيدنا.
وكان هذا في حينه كلاماً غريباً. فقال المقوقس: كيف قبلتم أنْ تقدموا هذا الأسود عليكم. قالوا: علمنا نبينا أنّه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. فقال المقوقس: ما أعجب عقولكم. أترضون بأسود أميراً عليكم؟! قالوا: هكذا علمنا ديننا. فقال المقوقس: تقدم يا أسود وتكلم، وارفق بي فإنّي أخاف من سوادك. فنظر إليه عبادة بن الصامت وضحك وقال: أيها الملك عندنا في الجيش ألف أسود أشد سواداً مني، فإنْ لم يعجبك سوادي اليوم، فستعجبك سيوفهم غداً.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سلمان منّا أهل البيت". ويأتي ببلال الأسود يوم فتح مكة ويقول صلى الله عليه وسلم: أين مفتاح الكعبة؟ ثم تفتح الكعبة ليدخل النبي ليصلي بداخلها، فيأخذ معه إلى داخل الكعبة بلال العبد الأسود. ويطلب منه الصعود أعلى الكعبة ليؤذن للصلاة، فيرد بذلك اعتبار بلال، وليقول للأمة: "لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى". هذه هي الحضارة العظيمة التي ننتمي إليها.
حقوق الإنسان في الحرب
هل تحدثنا عن أخلاق المسلمين في الحرب؟
لم يعرف الغرب معنى كلمة "أخلاق" في الحرب، إلا بعد الحرب العالمية الثانية، حين اكتوا بنار الحرب. فقرروا وضع دستور أخلاقي للحروب، ومع ذلك لم ينفذوا بنود هذا الدستور. في المقابل..قال الرسول صلى الله عليه وسلم منذ 1400 سنة، موصياً جيشه عند توجيهه للقتال: "لا تقتلوا وليداً. لاتقتلوا شيخاً. لا تقتلوا امرأة. لا تقطعوا شجراً. لا تحرقوا زرعاً. لا تقطعوا نقلاً. ستجدون رهباناً تفرغوا للعبادة في الكنائس فلا تقربوهم. لا تروعوهم. لا تهجموا عليهم ليلاً. كي لا تروعوا النساء والأطفال"..هل هناك رحمة في الدنيا أكثر من ذلك؟ جيش ممنوع أنْ يهاجم ليلاً حتى لا تفزع النساء والأطفال. هل نفتخر بهذا الدين أم لا؟..هل رأيت أخلاقاً حربية بمثل هذه الرحمة وتلك العزة؟
سر غضب الرسول من خالد بن الوليد
اسمع خالد بن الوليد يوم قتل مجموعة من الكفار كانوا يستعدون لحربه. أول ما وصل إليهم وتمكن منهم بسيفه، قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقتلهم. ويغضب النبي، لأنّ عشرين قتلوا. فما بالك بقنبلة ذرية تُلقى على الملايين لتقتلهم. يغضب النبي ويرفع يده وهو يقول: "اللهم إني بريء مما صنع خالد. أشققت عن صدورهم؟".
تعلمنا أخلاقنا الحربية أنّ دمشق يدخلها المسلمون فاتحين، فيطردون الرومان، ويبدءون في جمع الجزية من أهل دمشق، ليس لإذلالهم، ولكن ليتمكنوا من الدفاع عنهم لو عاد الرومان مرة أخرى. ويتجمع الرومان على حدود دمشق ليدخلوها، فيصدر القرار من قيادة المسلمين للجيش: انسحبوا من دمشق مرحلياً.
وقبل انسحابهم منها، أعادوا الجزية لأهل دمشق. قالوا لهم: أخذنا منكم هذه النقود لندافع عنكم، أما وأنّنا لن نستطيع ذلك، فخذوها. ما كل هذه الأمانة. وكل هذا السلوك الحضاري؟
لم يصدق أهل دمشق، فأخذ كل منهم ماله يعده. فإذا هم كما دفع..فقال أهل دمشق للمسلمين: لا تخرجوا. بل سندافع معكم ضد الرومان. ودافعوا عن مدينتهم مع المسلمين ضد الرومان. ويعلمنا التاريخ وأخلاقنا الحربية أنّ عمر بن عبد العزيز أرسل الجيش لفتح بخاري، ويذهب الجيش وينتصر، وبعد أنْ دخل بخاري أرسل القاضي إلى عمر بن عبد العزيز يقول له: لقد خالفتم تعليمات دينكم فلم تمهلونا ثلاثة أيام قبل دخول جيشكم. فيأمر عمر بن عبد العزيز جيشه بأنْ يخرج بالكامل من بخاري. ويخرج الجيش إلى خارج المدينة، وتم إرسال رسالة إلى قاضي المدينة ينذره فيها جيش المسلمين بإمهال المدينة ثلاثة أيام قبل دخولها، فجاء الرد: إسلام أهل بخاري جميعاً. لم يكن ديننا يوماً، دين سفك دماء أو دين إرهاب. لم يكن دين عنف أو قسوة. بل هو دين حضارة عظيمة.
| |
|