هل الشباب ضائع ومستهتر؟!



حوار أجراه أ/عصام الغازي لمجلة كل الناس بتاريخ 29 سبتمبر 2004

بعد شهور من دعوته إلى مشروع "صناع الحياة" والبحث عن أسباب نهضة الأمة..يتوقف الداعية عمرو خالد للتقييم..ويؤكد أنه واجه التشكيك في جدوى ما يدعو له ولكنه كان واثقا من النتائج، مثلما هو واثق من أنّ الشباب بخير رغم اتهامه ظلماً بالاستهتار والضياع.
عمرو خالد..يحذر الشباب من الاستجابة لأي فتنة باسم الدين لأنّها تستهدف تفتيت بلادنا..ويشير إلى أنّ هذا سر فتنة دارفور التي تنذر بتكرارها في مناطق أخرى..ويؤكد أنّ قوة الإسلام وسر انتصاره كان في أنّه جمع بين أجناس مختلفة، وقدم صيغة مثالية للتعايش بين الأديان.

سألت عمرو خالد:
ما الثمار التي جناها الناس بعد هذه الشهور منذ أطلقت مشروعك "صناع الحياة"؟
أريد أنْ أستعين بقول الله تبارك وتعالى: "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها". هذه الآية الكريمة تقول لنا إنّ الخير لا يذهب سدى، والإصلاح في الأرض لا يذهب هباء. وكلمة الخير أو الإصلاح مثل بذرة تُنبت شجرة. البذرة لو تعهدتها بالرعاية لا بد أن تُنبت شجرة.
وكلمة الإصلاح عند ربنا مثل البذرة التي ستنبت شجرة، تؤتي أكلها كل حين. يوماً بعد يوم، وجيلاً بعد جيل. لماذا؟..لأنّ أصلها ثابت وفرعها في السماء. خيرها متجدد في المجتمع باستمرار، خيرها دائم ومستمر بإذن الله. "أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون".
نحن رمينا في البداية – بداية "صناع الحياة" – بذرة اسمها "الإيجابية"، ثم رمينا بذرة اسمها "تحمل المسئولية"، وبذرة اسمها "الجدية" وبذرة اسمها "حدد هدفك في الحياة".
ثم رمينا في المرحلة الثانية بذوراً كثيرة، منها: تعال نحلم كيف ننهض ببلادنا؟ وما هي مجالات النهضة التي نريدها؟ بذرة التعليم، وبذرة الصناعة، وبذرة الثقافة والفنون، وبذرة التكنولوجيا. ونحن نتساءل: هل أنبتت هذه البذور؟.. أم أنّنا نلقيها في البحر؟ وهل تحققت الآية علينا؟ لا يمكن لأمة أنْ تنهض، إذا لم يكن لديها ثقة في نفسها، وثقة في ربها، وإذا لم يكن لديها الهمة والنشاط في أنْ تنجح.

لم أفقد الأمل

أعطنا نماذج من الثمار التي نبتت وأينعت؟

الذي لا يفهم في الزراعة، يظن أنّ البذور حين ترمي في التربة وهي صغيرة الحجم وضعيفة، لا يمكن أن تتحول إلى شجرة كبيرة وارفة ومثمرة.. كيف تتحول بذورنا التي بدأت بكلمة إلي نهضة؟
البذرة تكون مدفونة، وتكون صغيرة. من يمر عليها بعد أسبوع يجدها كما هي مجرد بذرة. ثم يمر عليها بعد شهر يجدها لا تزال بذرة، فيظن أنّها لن تنبت، لكنّها في الحقيقة تبدأ مدّ جذورها في الأرض (أصلها ثابت) الذي لا يعرف شيئاً في الزراعة يقول إنّ شكل الأرض لم يتغير، والبذرة حبة جامدة كما هي، لكن الخبير يعرف أنّ البذرة حية وتمد جذورها في الأرض قبل أنْ تبدأ الشجرة في الظهور..ثم بعد ذلك " تؤتي أكلها كل حين".
وأنا طوال الشهور الماضية، كنت أواجه التشكيك في أنْ تثمر أفكارنا وأحلامنا في "صناع الحياة"، لكنّي كنت واثقاً من النتيجة، لم يتبدّد الأمل لدينا لحظة. وبدأت البذور تتحول إلى شجر يانع، وبداية ثمر. رغم التحديات، نريد أنْ تزداد الهمة، ويزداد النشاط.
"الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل".
نريد أن ترتفع الروح المعنوية "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين".
الثمار جاءت بإذن ربها ورحمته: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما تجمعون".

أسوأ من فترة التتار

المدهش أنّ البذور التي رميناها ورويناها قمنا برعايتها في ظروف صعبة جداً. فالواقع الذي نعيشه، واقع أمتنا، مرير جداً. وأنا اعتقد أنّه لم يمر زمان على أمة محمد "صلى الله عليه وسلم" منذ بُعث، أسوأ من السنوات التي نعيشها الآن. أعتقد أنّنا نعش فترة أسوأ من فترة التتار. وكلما ظننا أنّ أقدامنا وصلت إلى القاع، ولم يعد هناك أسوأ من ذلك، تميد الأرض من تحت أقدامنا، وتهوى إلى قاع آخر، ثم تميد الأرض ونهوى إلى قاع جديد أسوأ.
وأنا أرى في السنوات العشر القادمة، تغيرات هائلة، هي أضعاف المتغيرات التي وقعت في السنوات العشر الماضية. تغيرات رهيبة. ولا يوجد أحد في بلادنا يستطيع أنْ يحول دون حدوث هذه المتغيرات.
ولعل ما يحدث في العراق والسودان وفلسطين ينبئنا بشيء بسيط مما سيحدث في السنوات القادمة. وبالتالي نحن في السنوات العشر القادمة إمّا نكون "فاعلاً" لهذه المتغيرات، أو أنْ نكون "مفعولاً به".
من هنا كان "صناع الحياة" صرخة لكي نكون "فاعلاً"..لا "مفعولاً به".

الشباب..أخضر القلب

رمينا البذور، ونأمل في رحمة الله.
كنت متأكداً من النجاح، لأنّنا رمينا بذوراً نقية. نقاؤها هو إخلاص الناس وصدق النية في حدوث النهضة، لإرضاء الله. وقد رميناها في أرض خصبة، لهذا كنت متأكداً من النجاح. هذه الأرض كانت من الشباب والبنات المحبين لبلادهم وأمتهم. الشباب أخضر القلب. فلا ينبغي أنْ نصدق ما يتم ترويجه من أنّ الشباب مستهتر وضائع. اعط الشباب الفرصة للعمل، وانظر ماذا سيفعل.
"ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها". أول بذرة رميناها كانت مشروع الملابس الذي جمعنا فيه مليوناً ونصف المليون كيس ملابس. كل كيس فيه حوالي 15 قطعة ملابس. الناس تحركوا بشكل رائع وبحب وفتحوا المخازن لهذه الملابس. ووقف الناس في طوابير طويلة للتبرع بالملابس، ومعرض في مصر والأردن والسعودية لتوزيع الملابس بعد تجديدها وكيها وتغليفها، والكثير منها كان ملابس جديدة بالفعل لم تستعمل.
وأنا أشكر كل مسئول ساهم وأعطى التصاريح لإقامة المعارض وساعد الجمعيات على توفيق أوضاعها. أشكر محافظ الإسكندرية والمسئولين عن أرض المعارض في مصر. وأشكر حكومة الأردن وحكومة السعودية والمسئولين في قطر.

دارفور مسلمة

ماذا عن شحنات الملابس إلى دارفور في السودان؟

قررنا أنّ الملابس الآتية من أوروبا وكندا وأمريكا ودول الخليج تذهب إلى دارفور. وأيامها لم يكن الناس قد عرفوا حقائق ما يجري في دارفور. وحين قررت إرسال الملابس إلى دارفور لم يكن باستطاعتي أنْ أحكي أو أعلن أسباب ذلك، فالفتنة كانت تدبر في المهد، والتزمت الصمت، أرسلنا أطناناً من الملابس الآتية من أوروبا وأمريكا إلى السودان. والآن فهم الناس الأسباب التي دعتني إلى إرسال تلك الكميات الهائلة من الملابس إلى دارفور. وصلت الملابس إلى ميناء بورسودان ومنها إلى دارفور. وكنت أنوي الذهاب إلى هناك لأوزعها بنفسي، لكن لظروف خارجة عن إرادتي لم أستطع السفر. فأرسلت مندوباً عن "صناع الحياة" هو الأستاذ يحيى الشامي الذي قام بهذه المهمة في ظروف حرجة جداً، وذهب معه شباب كثيرون من جمعية "صناع الحياة" في السودان، لتوزيع الملابس على القبائل.
وكانت هناك جهات إغاثة كثيرة من الأمم المتحدة وأوروبا، ومن القوات المسلحة المصرية. كل هذه الجهات حكومية، وخلت الساحة من الجمعيات الأهلية. كنا حريصين على توزيع الملابس للمستحقين خاصة من الأفارقة الزنوج. وصورنا فيلماً لذلك في ظروف أمنية صعبة.

فتنة بين مسلمين ومسلمين!

لماذا كان اهتمامك بدارفور وفي هذه المرحلة؟

السودان غال علينا جداً. ونحن لم نكن نتعطف على الناس هناك. كنا نقول لهم إنّ قلوبنا معهم، وأنّهم قطعة منا.فما حدث في دارفور هو فتنة وقعت بين جنسين عاشا معا مئات السنين على أرض واحدة: العرب السودانيون، والأفارقة الزنوج وهم يرتبطون معا بروابط النسب والقربى. فماذا حدث؟..حدثت فتنة خفية أشعلت النار بين الأهل.
نحن وزعنا الملابس على الزنوج الأفارقة، وهم يتحدثون اللغة العربية، وهم مسلمون يتسمون بأسماء مسلمة. في مخيم اللاجئين الذي وزعنا فيه الملابس على 1200 عائلة، منهم ثلاثمائة من حفظة القرآن الكريم! أي أنّ الفتنة بين مسلمين ومسلمين حفظة للقرآن الكريم، وليست بين مسلمين وملحدين. تحركت أيد خفية وأشعلت هذه الفتنة.
أقول ذلك لأنّي خائف مما هو قادم. هذه الفتنة قابلة للاشتعال في كل بلادنا.
أخشى أنْ يحدث في العراق ما حدث في دارفور. وأخشى أنْ يحدث ذلك في بلاد عربية أخرى تتنوع فيها الأجناس والملل.
هذه من ضمن المتغيرات التي يمكن أنْ تحدث في بلادنا. لهذا أحذر الشباب من الاستجابة لأي فتنة تحت اسم الدين أو الجنس البشري. أحذر من أي فتنة هدفها تفتيت بلادنا.

فتنة وثقافة التعايش

يا علماء الدين نريد أنْ نقدم للناس فقها جديداً قوياً للتعايش بين الأديان وبعضها وبين الأجناس وبعضها. الموضوع غريب على إسلامنا وخطير.
هل نسينا أنّ الإسلام بدأ في الجزيرة العربية ثم دخل الشام والعراق ومصر وفارس. لغات مختلفة وأجناس مختلفةوديانات مختلفة وأعراق وتقاليد مختلفة انصهرت في وعاء واحد هو الإسلام. وأصبح سر انتصار الإسلام هو وجود أجناس مختلفة. فهل يكون ذلك الآن سبب ضياعنا؟!
أمريكا ألفت بين الأجناس المتنوعة التي تعيش على أرضها وصارت القوة العظمى، ونحن نعجز عن التعايش مع إخواننا في الدين والوطن من الأجناس المختلفة، مثلما حدث للأمازيج ودارفور.
هذه فتنة السنوات العشر المقبلة، فانتبهوا لها.
والنبي "صلى الله عليه وسلم" قال: لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. إنّما العربية لسان.
نحن اكتوينا في لبنان والعراق والسودان، فلابد أنْ ننتبه جيداً لما يحاك في الخفاء. لابد أنْ نفكر معاً.
يا أهل الثقافة والفنون نريد ثقافة وفناً يؤلفان بين شعوبنا وبلادنا.الإعلاميون والمفكرون ورجال الدين وخطباء المساجد وأساتذة الجامعات نريد فكراً يحافظ على وحدة بلادنا..وهذه بذرة مهمة من بذور "صناع الحياة".

حق الفقير

ما المشروع الذي تفكر فيه الآن؟

أفكر في إعادة إطلاق مشروع الملابس، لكن بطريقة أخرى، في النصف الثاني من رمضان، مع تطوير المشروع. مثلاً:لماذا ونحن نبدأ عاماً دراسياً جديداً، لا تبحث كل عائلة عن تلميذ فقير لتكسوه، فيشتري الأب مع ملابس ولده، ملابس أخرى ليتيم أو طفل فقير؟
لن نفعل ذلك بشكل جماعي، ولكن كل إنسان يفعل ذلك بينه وبين نفسه.. وفي ذلك ثواب كبير لمن يفعله.
كل العائلات الغنية، فيها فروع فقيرة تستحق الإعانة. كلنا لنا جيران فقراء. ولدينا عمال وخدام لديهم أبناء في المدارس يستحقون منّا الرعاية وإدخال الفرحة على قلوبهم.
وإذا كانت ملابس المدرسة متوافرة لديهم، فادفع لهم مصاريف المدرسة.
لا تنس كسوة ابن جار أو ابن العامل الفقير من الجورب إلى الحذاء إلى مريلة المدرسة، وادفع له المصروفات حتى لا يشعر بالدونية أمام زملائه. تخيل الثواب الذي ستحصل عليه وأنت ترسم البسمة على وجه طفل.
في العام الماضي انتحر أب في مصر – في مثل هذه الأيام – لأنّه عجز عن شراء ملابس أبنائه المدرسية وعن دفع مصاريف المدارس. ألا نمنع آباء آخرين من اليأس بتصرف نبيل منا، وصدقة نجني ثوابها؟
أثق أنّ الكثيرين سيفعلون ذلك.